رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى


قليلة هى الشخصيات فى الحياة العامة الأمريكية المعاصرة التى أتقنت فن الخطاب التحفيزى كما فعلت أوبرا وينفرى.
فخطبها— سواء فى حفلات التخرج، أو فى اللقاءات الإعلامية، أو المناسبات الكبرى، أو فى مونولوجات برنامجها التليفزيونى— تشكل نمطاً فريداً من الخطاب التحفيزى الذى يمزج بين الدينى والدنيوى، وبين الاعتراف الفردى والمشاركة الجمعية، وبين الخاص والرمزى. وفى عالم يفيض بالكلام، تتفرد كلمات أوبرا بقوتها لأنها متجذرة فى السرد، وفى مكاشفة الذات، وفى إدراك دقيق لإيقاع المشاعر الجماعية.
تكمن القوة البلاغية لأوبرا أولاً فى استخدامها للسرد الذاتى. فهى تنطلق غالباً من المادة الخام لحياتها: فقر الجنوب الأمريكى، الفقر وعزلة الطفولة، وكفاحها لتجد صوتاً فى عالم إعلامى يهيمن عليه البيض والذكور. غير أن أوبرا لا تركن إلى خطاب الضحية، بل تمضى بخطابها فى مسار تحولى؛ إذ تتحول قصتها إلى رحلة خلاص تشبه فى بنيتها السردية الحكايات الدينية والنصوص الكلاسيكية، حيث الألم هو المعبر إلى الوعى والقوة. وهنا، لا تتحدث أوبرا عن ذاتها فقط، بل تتحدث من خلالها.
وتتجلى قوتها الثانية فى تبنيها لأسلوب الشهادة الذى يستدعى تقاليد الكنيسة الإفريقية الأمريكية، وخطابات الإحياء الروحى. فهى تلقى خطابها بإيقاع شبه إنجيلى، يتصاعد تدريجياً، ويتخلله تكرار مؤثر لعبارات مثل: «لك الحق فى أن تحلم»، «الوقت لك الآن». وهنا لا يكون الخطاب حجاجياً بالمعنى التقليدى، بل يصبح فعلاً شعائرياً، تؤدى فيه المعتقدات أداءً حياً على المنصة.
وفوق ذلك، تمتاز أوبرا ببراعة التنقل بين مستويات الخطاب، فهى تجمع بين اللغة المحكية والرسمية، بين الخطاب المثقف والمألوف اليومى. ففى خطابها بجامعة هارفارد عام 2013، تستشهد بمايا أنجلو ومانديلا، وتتحدث عن فشلها المهنى فى شبكتها التليفزيونية، ثم تنتقل إلى إعلانات ملؤها الإيمان بالذات والقدرة على النهوض. وتخاطب جمهورها مستندة إلى المصداقية الأخلاقية (ethos) والاستثارة العاطفية (pathos) فى آن.
إلا أن خطاب أوبرا لا يحتفل بالذات الفردية فى انعزالها، بل يقوم على أخلاقية تحقيق الذات المرتبطة بخدمة المجتمع. فهى تحث المستمع على أن «يكون ذا نفع»، وعلى أن «يحول جراحه إلى حكمة». ومن هنا، تنبع بلاغتها من إيمانها بقدرة الإنسان على التحول، فى تقاطع مع فكر كبار كتاب أمريكا من أمثال إيمرسون وويتمان، بحيث يبقى خطابها ملتزماً بالعلاقة والواجب الجماعى.
إن خطب أوبرا التحفيزية تؤدى، فى عالم انهارت فيه السرديات الكبرى، هى خطب المقدس العلمانى— إن صح القول؛ ذاك الذى يقوم مقام الدين حين يغيب، ويمنح معنى حين يستلب المعنى. خطاباتها تمنح الأمل بلا وعيد، والشفاء بلا وصاية، وتذكرنا، فى زمن التشظى، بأن الكلمة إذا خرجت من تجربة معاشة، ومن صدق لا رياء فيه، كانت أقدر على حفز الهمم فى نفوس المستمعين.