تأملات
بالصدفة شاهدت منذ أيام فيلم «جيرونيمو» الأمريكى على منصة نتفليكس ومن أبطاله جين هاكمان ومات دامون، ويحكى قصة من يصفه الفيلم بالأسطورة الأمريكية «جيرونيمو» ذلك المحارب من قبيلة الأباتشى الهندية والذى قاد المقاومة ضد ضم الولايات المتحدة لأراضى الهنود خلال السبعينيات والثمانينات من القرن التاسع عشر.
بعيدًا عن جوانب التميز التى يتمتع بها الفيلم من الناحية الفنية وغيرها، فإن مما قد يذكر له أنه حاول رصد تلك القصة المخزية والتى تمثل ملمحًا من ملامح مساعى أمريكا للقضاء على الهنود الحمر بشكل حيادى، فلم ينساق تمامًا للترويج للسردية الأمريكية، كما لم يتبن فى الوقت ذاته الدفاع عن موقف أولئك الذين انخرطوا فى مقاومة الولايات المتحدة ومناهضة مشروع الضم.
على مستوانا وفى حدود الأحداث التى قدمها الفيلم وبعيدًا عن اختلافها مع ما جرى فى الواقع قليلًا، يكشف الفيلم عن جانب بالغ الأهمية تناوله كثيرون يتعلق بأن تجربة قيام إسرائيل ليست سوى فى إحدى صورها استنساخ لتجربة إنشاء الولايات المتحدة. وأنه إذا كانت الثانية قامت على إبادة الهنود، فإن التجربة الصهيونية تقوم على إبادة الفلسطينيين، على النحو الذى نتابعه وكأنه جزء من فيلم وليس حقيقة فى غزة حاليًا.
الجانب الثانى الأكثر أهمية هو أن تلك التجربة ليس لها من رد فعل واحد واجب ووحيد وهو المقاومة لأن الخصم لن يقبل سوى باستسلامك ومحو كينونتك من الوجود، أيًا كان مسعاك للوصول الى حل سلمى معه. نلحظ فى الفيلم أن جيرونيمو الذى قام بدوره الممثل الأمريكى ويس ستودى، مزج فى نضاله بين نماذج مختلفة من المقاومة الفلسطينية بدءًا بنموذج الرئيس الفلسطينى محمود عباس القائم على التوافق مع العدو (النموذج السلامى أو الاستسلامي)، غير أن ذلك لم يجد نفعًا مع الخصم – الحكومة الأمريكية – التى كانت تعمل على فرض رؤيتها وقوانينها ولا تقبل ما يمكن أن يعبر عن هوية الهنود، وهى السياسة التى كان لا بد أن تنتهى الى الصدام رغم أن جيرونيمو كان قد استسلم رسميًا وخضع للقوانين الأمريكية.
وإزاء ما بدا له من مستقبل مظلم لذلك النهج عاد الى المقاومة المسلحة التى لا سبيل معها إلى المهادنة على غرار النموذج الذى عبر عنه فى المقاومة الفلسطينية يحيى السنوار القائد العسكرى الراحل لحماس. لقد استطاع جيرونيمو رغم محدودية ما يملكه من ، ورغم أن الظروف كلها تعمل ضده بما فى ذلك تعاون بعض أبناء جلدته مع الأمريكيين، أن يلحق بالأمريكيين خسائر فادحة ولدرجة أصاب معها اليأس قادة الحملات العسكرية للقضاء على قوته من إمكان تحقيق ذلك الهدف.
ولأن جيرونيمو كان يحارب على جبهتين ضد المكسيك وضد الولايات المتحدة فقد تقلصت قواته إزاء الهجمات ضده حتى أصبح من يقاتل معه لا يتجاوز العشرات (38 مقاتلًا)، فبدت المقاومة له عبثية أو بلا طائل. ورغم نقمته على عدوه فإن الإجراءات العقابية التى قامت بها الولايات المتحده تجاه ذويه أجبرته فى النهاية على الاستسلام ليعيش فى سجن لفترة غير قصيرة على غرار ذلك الوضع الذى يعيشه المناضل الفلسطينى مروان البرغوثى والذى قضى ولا يزال الجزء الأكبر من حياته فى سجون الاحتلال الإسرائيلى دون مؤشرات على قرب الإفراج عنه.
باختصار لم يحقق النهج السلمى هدفه، ورغم أن خيار المقاومة المسلحة كان الأمثل إلا أن الظروف لم تنته به الى نتيجته المرجوة، وكان السجن هو المصير النهائى لرمز المقاومة. هذا هو بالضبط ما تسعى إسرائيل لأن يكون مصير المقاومة الفلسطينية.. الأمر الذى نأمل أن تختلف نهايته رغم تشابه الظروف.. اللهم آمين.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض