رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

حريق سنترال رمسيس جرس إنذار:

ﻛﻮد اﻟﺤﺮاﺋﻖ »اﻟﺤﺎﺿﺮ اﻟﻐﺎﺋﺐ« ﻓﻰ ﻣﺒﺎﻧﻰ ﻣﺼﺮ

بوابة الوفد الإلكترونية

نار الإهمال تهدد بإحراق «ذاكرة الأمة» 

خبراء السلامة: الكود الحالى لا يحمى تراثنا.. والمبانى القديمة «مصائد نار»

البنية التحتية المتهالكة والإهمال البشرى أهم أسباب الكوارث 

بعد حريق سنترال رمسيس الذى هز مصر مؤخرًا، تجدد الجدل حول قضية محورية تهدد أمن وسلامة آلاف المصريين وتراثهم المعمارى، وهى غياب إدراج المبانى القديمة وبعض المبانى الحديثة ضمن كود الحرائق المصرى، والتقصير الصارخ فى تطبيق إجراءات السلامة والأمن الصناعى والمهنى داخل هذه المنشآت.

فالحريق المدمر الذى شب فى سنترال رمسيس، ذلك الصرح الحكومى الهام الذى يخدم قطاعًا واسعًا من المواطنين، يجب ألا يمر كحادث عارض، بل هو جرس إنذار يدق بشدة ليؤكد أن المشكلة أعمق وأكثر تعقيدًا مما تبدو عليه، إنها مشكلة تتجاوز المبانى التراثية لتمتد إلى هياكل خرسانية حديثة يلفها الإهمال، وتتحول مع الوقت إلى قنابل موقوتة فى قلب المدن.

وتُعد المبانى التاريخية والتراثية فى مصر كنوزًا معمارية لا تقدر بثمن، من القصور والبيوت الأثرية فى القاهرة الفاطمية، إلى العمارات ذات الطابع الأوروبى فى وسط البلد والإسكندرية، هذه المبانى، بالإضافة لقيمتها التاريخية والمعمارية، لها أهمية كبيرة فالبعض منها يستخدم لقيادة جهة أو إدارة جهاز مهم فى الدولة، ومع ذلك فهى تواجه تحديات جسيمة عند الحديث عن السلامة من الحرائق، ومع كل شرارة تندلع، يتجدد السؤال المؤرق: هل نترك مبانينا ومنشآتنا الحيوية، التى تشكل ذاكرة الدولة وروحها، فريسة سهلة للنيران؟.. وهو ما ترصده الوفد فى هذا «التحقيق»

وقد أكد خبراء السلامة المهنية، أن قضية حرائق المبانى فى مصر لم تعد مجرد حوادث فردية، بل أصبحت ظاهرة تستوجب وقفة جادة وإجراءات حاسمة. فالمبانى، قديمها وحديثها، هى شهود على تاريخنا وحاضرنا، وحمايتها ليست رفاهية بل ضرورة لضمان مستقبل آمن لأجيال قادمة تستحق أن ترث مدينة آمنة وتراثًا محفوظًا.

الغريب فى الأمر أن كود الحرائق المصرى، فى صيغته الحالية، لا يولى اهتمامًا كافيًا لخصوصية المبانى القديمة، فتصميمات هذه المبانى، ومواد البناء التقليدية التى استخدمت فيها مثل الأخشاب والأسقف العالية، والشبكات الكهربائية والمائية التى لم تُحدّث منذ عقود، كلها عوامل تجعلها شديدة الخطورة عند وقوع حريق، أى أنها أقرب إلى مصائد النار». 

والأغرب من ذلك أن الأمر لم يقتصر على المبانى التاريخية، فجزء كبير من المبانى «الحديثة» نسبيًا، تلك التى شُيدت فى النصف الثانى من القرن العشرين، تعانى أيضًا الإهمال وتجاهل معايير السلامة، فهذه المبانى، سواء كانت أبراجًا سكنية، أو مكاتب إدارية، أو حتى منشآت حكومية خدمية، قد تكون صممت فى الأصل وفقًا لأكواد أقل صرامة أو أنها لم تخضع للصيانة الدورية والحديثة.

المهندس خالد المهدى
المهندس خالد المهدى

«الكثير من المبانى الحديثة التى تبدو سليمة من الخارج تخفى وراء واجهاتها قصصًا من الإهمال»، هذا ما بدأ به المهندس خالد المهدى، نائب رئيس الجمعية المصرية لخبراء تقييم العقارات، حديثه مع «الوفد» مؤكدا أن نظام الحريق فى معظم المبانى القديمة لا يعمل، وطفايات الحريق قد تكون منتهية الصلاحية، ومخارج الطوارئ مغلقة أو تستخدم للتخزين، وحتى أنظمة التهوية تكون مليئة بالغبار والزيوت القابلة للاشتعال، وربما هذا المشهد كان حاضرا فى سنترال رمسيس – رغم أنه مبنى حيوى وهام، ولكن يبدو أن إجراءات السلامة الأساسية كانت معطلة أو غير مطبقة بفاعلية. 

وأضاف «المهدي» فى تصريحات لـ«الوفد»أن مواد البناء مهمة جدا ويجب أخذها فى  الاعتبار فى المنشآت الحيوية، فالخشب مادة أساسية فى هذه المبانى، وهو سريع الاشتعال، والأسقف الجمالونية، والأرضيات الخشبية، وحتى المشربيات، كلها عناصر تزيد من سرعة انتشار النيران، بالإضافة إلى ذلك الممرات الضيقة والسلالم الملتوية، وغياب مخارج الطوارئ الواضحة أو المطابقة للمواصفات الحديثة، كلها أمور تعيق عمليات الإخلاء والإنقاذ بشكل كبير.

وأشار إلى البنية التحتية المتهالكة من شبكات الكهرباء القديمة التى قد تكون عُدّلت بشكل عشوائى على مر السنين دون رقابة، قد تكون سببا فى تعاظم الحرائق التى تندلع فى هذه المبانى، بجانب نقص الصيانة الدورية، حتى لو كانت المبانى مزودة بأنظمة حريق حديثة، فإن غياب الصيانة يجعلها عديمة الفائدة، لذلك يجب أن تكون هناك جداول صيانة صارمة لأنظمة الكشف، الإنذار، والإطفاء.

وأوضح المهدى أن المبانى القديمة لم تدرج ضمن كود الحرائق، لأنه حديث النشأة إلى حد ما، حيث صدر أول كود للحرائق عام 2000 ضمن سلسلة الأكواد المصرية للتشييد والبناء، تحت مسمى الكود المصرى لأسس التصميم واشتراطات القيد لحماية المنشآت من أخطار الحرائق، وتم تحديثه فى منتصف 2024، ليتوافق مع المعايير العالمية، وهو يشمل اشتراطات الحماية من الحريق فى المبانى الحكومية والتجارية، السكنية، المدارس، المستشفيات، والمنشآت الصناعية. 

سنترال رمسيس: دليل حى على الفشل

لم يكن حريق سنترال رمسيس حادثًا عاديًا. هذا المبنى الحكومى، الذى يخدم شريحة واسعة من المواطنين ويسهم فى البنية التحتية للاتصالات، كشف عن حجم المشكلة، فالمعلومات الأولية أشارت إلى احتمالية وجود ماس كهربائى، وهو أمر شائع فى المبانى التى تعانى تهالك الشبكات الكهربائية وعدم صيانتها.

«ما حدث فى سنترال رمسيس يُعد كارثة على أكثر من مستوى»، هذا ما اكده أحد مسئولى الحماية المدنية، مشيرا إلى أن المبنى قديم نسبيًا ويحتاج إلى مراجعة شاملة لجميع أنظمة السلامة فيه، ووجود الأجهزة الإلكترونية والمعدات الحساسة يزيد من خطورة الحريق، إنها ليست مجرد خسائر مادية، بل تعطيل لخدمة حيوية، وتهديد لأرواح العاملين والمواطنين الذين يترددون عليه».

وأضاف المصدر: «لو كانت إجراءات السلامة والأمن الصناعى مطبقة بصرامة، بدءًا من فحص الشبكات الكهربائية بانتظام، وصولًا إلى توفير مسارات إخلاء واضحة وتدريب العاملين على استخدام طفايات الحريق، لكانت الخسائر أقل بكثير».

 

قنابل موقوتة 

وأشار إلى أن استمرار هذا الوضع يمثل خطرًا جسيمًا على عدة مستويات، فغياب مخارج الطوارئ، وعدم وجود أنظمة إنذار مبكر، يمكن أن يحول أى حريق صغير إلى كارثة بشرية، بالإضافة إلى الخسائر الاقتصادية، من تدمير المبانى خاصة التاريخية، ما يكبد الدولة والملاك خسائر فادحة، ويهدد الأنشطة التجارية والسكنية، بالإضافة إلى تعطيل الخدمات: كما حدث فى سنترال رمسيس، فأى حريق فى منشأة حيوية يؤدى إلى تعطيل خدمات أساسية تؤثر على حياة المواطنين.

نقطة فشل واحدة 

المهندس محمود فراج
المهندس محمود فراج

يُشير المهندس محمود فراج، خبير تكنولوجيا وأمن المعلومات، إلى أن سنترال رمسيس هو واحد من أقدم المبانى فى القاهرة، يقترب عمره من المئة عام إذ أُنشأ فى عام 1927 فى عهد الملك فؤاد. وهذا العمر وحده يجعله مبنى يستوجب الحفاظ عليه.

وأضاف«فراج» أنه «عندما بُنى هذا المبنى، كانت التقنيات والآليات الهندسية تختلف تمامًا عما وصلنا إليه اليوم. وكان يعتمد على الفكر التقليدى فى الإنشاءات. ومع التطور التكنولوجى، كان يجب أن يواكب ذلك تطورا فى التجهيزات الداخلية للمبنى، خاصة وأننا نتحدث عن نقطة فشل واحدة (Single Pointof Failure)؛ أى أن توقف هذا السنترال يعنى توقف الاتصالات فى جزء كبير من الجمهورية».

وتابع: «كان من المفترض أن نتبع الفكر التكنولوجى الحديث الذى يُعرف بـ Redundancy (التكرارية)، حيث يتم تكرار نسخة من هذا السنترال فى أكثر من مكان. فلو حدثت كارثة كهذه، لا قدر الله، يمكن التحويل الفورى إلى المكان البديل، ما يضمن استمرارية الخدمة».

 

أسباب الحرائق

وأوضح المهندس فراج ان الأسباب المحتملة لاندلاع الحرائق فى مثل هذه المنشآت الحيوية، عديدة منها المشاكل المتعلقة بالطاقة الكهربائية، سواء كان ذلك بسبب خلل فى توزيع الطاقة، أو تحميل زائد على الكابلات، أو تآكل العزل والكابلات نفسها، وكلها عوامل تؤدى إلى حدوث ماس كهربائى. وبما أن الكابلات فى هذه المبانى غالبًا ما تكون من الفايبر أو النحاس القديم، وكثير منها سريع الاشتعال، فهذا يُزيد من سرعة انتشار الحريق وصعوبة السيطرة عليه».

ولفت إلى فشل أنظمة التبريد، فإذا كان هناك خلل فى أنظمة التكييف المسؤولة عن تبريد الأجهزة والمكان، فقد يؤدى ذلك إلى ارتفاع درجات الحرارة الداخلية بشكل كبير واشتعال المكان».، بجانب الأخطاء البشرية والإهمال، فعدم الاهتمام بصيانة الأنظمة الداخلية، سواء كانت أنظمة الإطفاء الذاتى، أو الإنذار، أو حتى عمليات الإخلاء، يُعد من أبرز عوامل حدوث الكوارث.

فيما يتعلق بالسبب الحقيقى لحريق سنترال رمسيس، يذكر فراج أن «التصريحات الأولية أشارت إلى ماس كهربائى، لكن سبب حدوث هذا الماس لم يُعلن بعد، وقد يكون لا يزال قيد التحقيق لتحديد ما إذا كان نتيجة لمشكلة فى التبريد، أم تآكل الكابلات أو أى سبب آخر».

 

إجراءات السلامة

وعلى الرغم من الكارثة، يرى المهندس فراج أن هناك جوانب إيجابية تستحق الذكر فى التعامل مع الحريق: «فالحمد لله، لم يحدث عدد كبير من الوفيات رغم أن المبنى كبير وحجم العاملين فيه ليس قليلًا. والوفيات الأربع كانت لأشخاص حاولوا جاهدين إخماد الحريق. هذا يدل على أن إجراءات السلامة، خاصة المتعلقة بمسارات الخروج الآمن، كانت جيدة نسبيًا».

ومع ذلك، يؤكد فراج ضرورة التدريب الدورى والمتقارب للموظفين على كيفية التصرف فى حالات الطوارئ، وكيفية استخدام معدات السلامة، لتجنب الكوارث المستقبلية. ويتوقع المهندس فراج أن المبنى كان مجهزًا بأنظمة حماية، لكنها «لم تعمل بالشكل المطلوب»، وقد يكون ذلك بسبب فصل التيار الكهربائى الذى عطل هذه الأنظمة.

 

كود الحماية من الحرائق

وأشار المهندس فراج إلى أن الكود المصرى للحماية من الحرائق يهدف إلى حماية الأرواح والممتلكات عبر توفير وسائل الحماية اللازمة ومنع انتشار الحرائق، وضمان فعالية أنظمة التصميم والتركيب والصيانة الدورية.

لكن السؤال الأهم، حسب فراج، هل تم تنفيذ اشتراطات الكود بالكامل؟.. أما عن البنية الهيكلية والتصميم الهندسى، فذكر أن هذه الجزئية من الكود خارجة عن إرادتنا فى المبانى القديمة مثل سنترال رمسيس، حيث لا يمكن إعادة بناء المبنى من جديد»، مستكملا حديثه: إن المشكلة تكمن فى أجهزة الإطفاء وصيانتها فهل يتم صيانة هذه الأجهزة دوريًا؟ فانتشار الحريق بهذه السرعة، خاصة بين الأدوار من السابع إلى العاشر، يدل على أن هذه الأنظمة قد تكون توقفت أو لم تعمل بفاعلية، كما أن فصل التيار الكهربائى أثناء الحريق قد يكون قد أثر على عمل هذه الأنظمة التى تحتاج للكهرباء.

أما عن طرق الإخلاء والتدريب، فقال: أعتقد أن هذا الجانب كان جيدًا نسبيًا فى حادث السنترال، وهو ما أسهم فى تقليل عدد الضحايا، مؤكدا أن اتباع إجراءات السلامة والأمان والحماية ليس تكلفة إضافية، بل هو تكلفة ضرورية لاستمرارية العمل، كما أن الخسائر الناتجة عن كارثة مثل حريق سنترال رمسيس، من انقطاع الاتصالات وتعطيل الخدمات، هى خسارة أكبر بكثير من تكلفة توفير أنظمة الحماية والصيانة. 

وقدم محمود فراج رؤية شاملة للمستقبل من بينها المبانى الجديدة، حيث يجب أن تُصمم وتُبنى منذ البداية بالاعتماد على أحدث أنظمة الحماية والأمان وأجهزة الإنذار والإطفاء، أما المبانى القديمة، فيجب إعادة تركيب وتوصيل أجهزة استشعار الحرائق والغاز، وغيرها من أجهزة الحماية، مع ضرورة صيانتها وتجربتها بانتظام.

وأكد أهمية أن يكون هناك تدريب دورى ومكثف للعاملين فى جميع المنشآت، سواء الحكومية أو الخاصة، على كيفية التعامل مع الكوارث وإجراءات السلامة والإخلاء، مع نشر ثقافة السلامة حيث يجب أن يصبح الوعى بالسلامة وكيفية التصرف فى الأزمات جزءًا من الثقافة العامة للمجتمع، مع وجود خطط بديلة للطوارئ لضمان استمرارية العمل فى حال توقف المبنى الرئيسى.

وشدد على أن حادث سنترال رمسيس يُعد دعوة صريحة ومُلحة لإعادة تقييم شامل لجميع المبانى، قديمها وحديثها، ووضع خطط استباقية لضمان سلامتها، فالحفاظ على الأرواح والممتلكات والتراث هو مسئولية جماعية.

وأكد المهدى أن التخاذل فى حماية مبانينا ومنشآتنا القديمة والحديثة، من الحرائق لا يهدد بضياع كنوز معمارية فحسب، بل يضع حياة المئات من المواطنين فى خطر، وقد حان الوقت لكى ندرك أن الحفاظ على تاريخنا يتطلب رؤية مستقبلية شاملة تبدأ من تطوير قوانيننا وتفعيل آليات تنفيذها.