تأملات
ليس بكاء على الأطلال وإنما مجرد وقفة لاستخلاص الدروس والعبر أن نقول إنه لكى تدرك الفرق بين ما كنا عليه منذ فترة غير بعيدة مضت، وبين ما نحن عليه الآن كعرب أن تنظر لما يحدث فى سوريا. بعيدا عن رأينا السلبى فى تطورات ما بعد إسقاط بشار، فإن المتأمل للمشهد هناك يدرك حجم التباين بين سوريا التى كانت أحد أضلاع مثلث القوة العربية إلى جانب العراق ومصر، وبين سوريا اليوم التى أصبحت بالتعبير الدارج «ملطشة» العدو الصهيونى. لا بد أن تنتابك حالة من الحسرة على سوريا التى كانت تقف بالمرصاد بالتنسيق مع مصر لوقف الكيان الغاصب عند حده، فكانت حرب 73 بما لها وما عليها، فيما سوريا الحالية لم تعد تهش أو تنش فى وجه البرطعة الإسرائيلية على أراضيها.
ربما يبدو السؤال ساذجا: هل ضعفنا أو ضعفت سوريا إلى هذا الحد دون أن ندرى؟ وهل كان حال المواطن السورى حينما سعى لإسقاط بشار، دون أن يدرى يبدو كالمستجير من الرمضاء بالنار؟ وبماذا يواجه النظام القائم فى دمشق المواطن هناك عندما يسأله عن الهجمات الإسرائيلية المتكررة التى لا تنتهى فى انتهاك واضح لحرمة وسيادة الأجواء السورية؟ وما المبرر الذى يمكن تقديمه بشأن تلك الغارات الإسرائيلية على السويداء ودرعا جنوبى سوريا والتى وقعت فيها اشتباكات ليس لإسرائيل أى مبرر للتدخل على أثرها أو بسببها؟ الغريب أن نتنياهو بلغته التى تنطق بالغرور راح يعلن دون أى قدر من المواربة أنه لن يسمح بوضع فى سوريا ينشأ فيه لبنان ثان، فى نبرة يبدو معها وكأنه الآمر الناهى فى المنطقة.. هو الذى يمنع وهو الذى يمنح!
ولتوسيع دائرة النظر بعض الشىء فإن المشهد لا يتعلق بسوريا وحدها وإنما تبدو جزءا من الصورة، تلك الصورة التى تشير فى مجملها إلى أن إسرائيل توسع نطاق نفوذها ومجالها الحيوى ليشمل أجزاء أكبر من المنطقة. خذ مثلا تلك العلاقة من الردع المتبادل بين حزب الله وإسرائيل حتى شهور قليلة مضت. لقد كان الحزب البعبع الذى تخشاه إسرائيل وسبب لها صداعا مزمنا بدت آثاره فى عملياته فى الجليل وسببت نزوحا كبيرا للإسرائيليين من هناك. بعمليات خاطفة استطاعت تل أبيب شل حركة الحزب للحد الذى يمكن القول معه بأنها أخرجته من الصراع، والذى تحول من معارك متبادلة إلى التركيز على مطلب إسرائيلى وأمريكى واحد هو نزع سلاح الحزب فى الوقت الذى تمارس فيه تل أبيب حريتها فى التحليق فى أجواء لبنان وضرب من تشاء بدعوى أنه عنصر عسكرى من عناصر حزب الله.
إذا انتقلنا بالصورة إلى ما يجرى فى غزة أو حتى الضفة يمكن لك أن تستوعب حجم الاستقواء الإسرائيلى. صحيح أن ذلك بخسائر مؤلمة تسببها المقاومة فى غزة وازدادت ضراوة فى الفترة الأخيرة بالعمليات النوعية والتى زاد معها حجم الخسائر فى جنود العدو إلا أن ذلك يبدو على المستوى الاستراتيجى من منظور إسرائيل مقبولا لتحقيق أهداف أكثر شمولا.
أحيانا أتساءل: ألا يشعر العرب.. كل العرب.. من المحيط إلى الخليج بالقلق وأن عدواً أو قل «جاراً» بهذه الروح العدوانية يجب أن يخشى بأسه؟ هل يتصور البعض أن علاقته الجيدة بذلك العدو يمكن أن تعفيه من أن يأتى الدور عليه؟ ألا يضع فى اعتباره أن ذلك عملية مرحلية على غرار المثل التقليدى الذى مللنا من كثرة ترديده: أُكلت يوم أُكل الثور...؟! اللهم بلغت!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض