خارج المقصورة
رغم أن مشهد الحريق فى سنترال رمسيس كان كفيلًا بشل البنية التكنولوجية للدولة من شرقها إلى غربها، فإن الأهم ليس حجم الضرر، بل ما يمكن استخلاصه من دروس حاسمة، خاصة فيما يتعلق بقطاع سوق الأوراق المالية.. ولحسن الحظ، مر الموقف بأقل قدر من الخسائر، لكن علامات الاستفهام باقية.. والأسئلة لا تزال مفتوحة.
ما حدث لم يكن مجرد عطل تقنى، بل اختبار قاس للبنية التحتية الرقمية ومدى جاهزيتها لمواجهة الأزمات. والدرس الأبرز هنا أن البنية التكنولوجية وحدها لا تتحمل الفاتورة، بل يمتد العبء أيضًا إلى المستخدمين ومقدمى الخدمات وشركات السمسرة.
صناعة الأسواق المالية تقوم على خيوط تكامل دقيقة بين أطراف متعددة، البورصة، وشركة مصر للمقاصة، ومقدمو الخدمة، وشركات الوساطة، وكل منهم حلقة فى سلسلة، إذا انكسرت إحداها اختلّ التوازن بأكمله.
بنظرة أدق، يتبيّن أن خطوط الربط بين سنترال رمسيس ومقدمى الخدمة، الاعتماد على مقدم خدمة واحد من قِبل بعض شركات السمسرة – سواء فى الخط الأساسى أو الاحتياطى – زاد من حدة الأزمة، خاصة مع الاعتماد المتزايد على التداولات عن بُعد، الأمر الذى دفع البورصة لتعليق جلسة اليوم التالى للحريق، كإجراء احترازى لتأمين عدالة التداول وتكافؤ الفرص بين جميع المستثمرين.
رغم ما سبق، تسجل لمصر للمقاصة والبورصة المصرية إدارة فنية عالية المستوى خلال الأزمة. فقد نجح الفريق الفنى فى المقاصة، مستفيدًا من البنية التحتية التى أسسها محمد عبدالسلام – رئيس مصر للمقاصة الأسبق – فى امتصاص الصدمة. فالنظام «العبقرى» الذى أنشأه لخطوط الربط، سواء فى المقر الرئيسى أو الاحتياطى بالتجمع الخامس، شكّل مظلة أمان ضد كل الاحتمالات: من الكوارث الطبيعية إلى الأعطال المفاجئة، خاصة أن رئيس مصر المقاصة الأسبق، قائد ثورة التكنولوجيا فى هذا القطاع، ونجح فى نقل تجربته إلى أسواق المال العربية والإفريقية حينما لعبت الشركة دورًا محوريًا فى ولايته مع أسواق المال الأخرى، والمساهمة فى تطويرها وتنميتها.
كان للبورصة دور بارز، حيث تحوّلت إلى غرفة عمليات مفتوحة على مدار الساعة، يقودها مهندسون وفنيون تعاملوا مع الموقف باحترافية نادرة، لضمان استقرار التداولات، وتحقيق مبدأ العدالة بين المستثمرين، دون تمييز أو ارتباك.
أما الدرس الأهم، فهو أن الجاهزية لا تكون بالشعارات أو الاعتماد على مزوّد واحد، بل بالتوزيع الذكى للمخاطر، وتحديث خطط الطوارئ باستمرار. ليست الكارثة فى وقوع الأزمة، بل فى أن نفشل فى التعلم منها، وأن نُكرر نفس الأخطاء إذا عادت الظروف.
يا سادة.. من العيب أن نتعثر بنفس الحفرة مرتين. ومن الحكمة أن نتأمل تجربة من سبقونا فى بناء منظومة قادرة على مواجهة التقلبات، لا الهروب منها.