مواجهة الشائعات بالردع والتوعية
السوشيال ميديا.. سلاح قاتل
فى عالم الفضاء المفتوح، وبلا رقابة واضحة ورادعة، وفى ظل غياب الوعى والأخلاق، أصبحت السوشيال ميديا واحدة من أخطر الأسلحة التى ترتدى ثوب النقد المطلق، وتطلق الأخبار المغلوطة والادعاءات الكاذبة لتخدم أجندات خارجية ومخططات شيطانية تستهدف أمن واستقرار البلاد.
الخلايا السرطانية تنشط دائمًا وقت الأزمات لتهاجم الجسد، وفى عالم مواقع التواصل الاجتماعى، تلك الساحة المفتوحة أمام الجميع، بات الكل يصرخ ويهاجم ويحلل وينشر دون فهم أو تحقق أو تحليل دقيق، ليختلط الأمر ما بين الرأى والنقد البناء وحق المواطن فى التعبير، والمفترض أن يكون مبنيًا على أسس ومعلومات وبيانات صحيحة ودقيقة، وما بين الغضب والانتقاد الذى يوزع الاتهامات ويساعد بطريقة مباشرة أو غير مباشرة هؤلاء المتربصين بالوطن.
الحقيقة أن المسئولية لا تقع على عاتق مستخدمى السوشيال ميديا فقط، بل إن الدولة مسئولة من خلال مؤسساتها المعنية عن رصد الشائعات التى تنتشر سواء على مواقع التواصل الاجتماعى أو بعض المنصات الإلكترونية غير المسئولة، وتحليلها ونفيها بعد تواصلها مع الجهات المعنية بالوزارات لوقف ترويج الشائعات ونشر أخبار مغلوطة، بل وأيضًا التعاون مع منظمات المجتمع المدنى فى نشر حملات لتوعية المجتمع بكيفية التعامل مع الشائعات ومخاطرها.
الجميع يجب أن يدرك هذا الخطر الذى قدم يمثله ضغطة زر على السوشيال ميديا وقت الأزمات دون وعى، وهو ما يمكن أن يتحول للخيانة انتماء دون معرفة وبانسياق مراهق خلف وهم البطولة الرقمية، فالسوشيال ميديا جبهة قتال فى وقت الأزمات لأنها تتحول لسلاح، إما فى يد بلدك أو ضدها.
أكدت الدكتورة سارة فوزى، أستاذ الإعلام الرقمى والإذاعة والتليفزيون بكلية الإعلام جامعة القاهرة، أن وسائل التواصل الاجتماعى أصبحت سلاحًا ذا حدين فى التعامل مع الأزمات، خاصة مع استخدامها من قِبل جهات معادية لمصر بشكل ممنهج لنشر الشائعات والمبالغة فى عرض السلبيات، ما يزيد من حالة الغضب ويؤثر على الثقة فى المؤسسات.
وأشارت إلى أن هذه الجهات تستغل حالة الغضب لدى المواطنين لتسويق روايات مضللة، مضيفة أحيانًا يتم تجاهل النجاحات مثلما تحققه وزارة الاتصالات مثلًا، بينما يتم تسليط الضوء على السلبيات بهدف التحريض والتشكيك، فى وقت يكون فيه المواطنون فى حالة استياء عام، فيحدث ما يُعرف بـ(الارتداد العكسي).
ولفتت «فوزى» إلى أن خوارزميات مواقع التواصل تخلق ما يعرف بغرف الصدى المغلقة حيث يظهر للمستخدمين محتوى متوافق مع ميولهم فقط، فإذا كان الشخص غاضبًا ويعبر عن سخطه، تبدأ المنصة بعرض منشورات لأشخاص غاضبين أيضًا، ما يُعزز الانقسام ويُضعف من قدرة المواطن على رؤية الرأى الآخر أو التوازن فى تناول القضايا.
وأضافت أن بعض وسائل الإعلام المحلية تساهم بدورها أحيانًا فى هذا الخلل، إما بالمبالغة فى السيناريوهات السلبية من أجل زيادة المشاهدات، أو رؤية إيجابية مبالغ فيها منفصل عن الواقع، ما يفقد الجمهور ثقته فى الرسائل الإعلامية الرسمية.
وشددت «فوزى» على أن أحد أبرز أسباب تمدد الشائعات هو غياب دور المتحدث الإعلامى للدولة، قائلة: «عدم وجود صوت رسمى واضح وسريع يجعل الروايات المغلوطة تنتشر سواء من جهات معادية أو حتى من مواطنين عاديين غير مدركين لحقيقة ما يجرى، فيتداول الجمهور هذه الروايات بسبب غياب المعلومة الموثوقة».
كما حدث بأزمة حريق السنترال مؤخرًا، وإن تأخر وزارة الاتصالات فى إصدار بيان أو عقد مؤتمر صحفى عاجل أدى لانتشار روايات متضاربة، منها الحديث عن عمل تخريبى أو مصالح استثمارية خفية، وهى روايات انتشرت كالنار فى الهشيم، لأن الطرف الآخر كان أسبق فى الطرح.
وأكدت أستاذة الإعلام أن البيان الرسمى وحده لا يكفى لاحتواء الرأى العام، بل يجب أن تُدعم هذه البيانات بوجوه مألوفة ومحبوبة لدى الناس. وأضافت: «كما شعر المواطنون بالفخر برجال الحماية المدنية خلال الأزمات، من المهم إظهار العاملين والمهندسين والمسعفين ممن كانوا فى قلب الحدث، لأن الناس تتفاعل مع أمثالهم أسرع من تفاعلهم مع الوزراء والمتحدثين الرسميين».
ونبهت إلى أن التصريحات الرسمية كثيرًا ما تأتى غير موفقة، وقد تثير غضب الناس بدلًا من تهدئتهم وقالت: «أسوأ ما يمكن أن تفعله جهة رسمية هو أن تنفى، بينما تُظهر وسائل الإعلام الأخرى، المحلية أو الأجنبية، صورًا وأدلة تنقض هذا النفى، ما يُفقد المؤسسة مصداقيتها».
ودعت «فوزى» إلى ترسيخ «ثقافة الاعتذار واحتواء الرأى العام»، موضحة: «فى وقت الغضب، لا يصح أن تُقابل الجماهير بردود جافة من نوعية (عملنا اللى علينا) أو (كل شيء يعمل بكفاءة). الناس تريد أن تشعر بأن صوتها مسموع وأن هناك شفافية فى إدارة الأزمة».
واختتمت حديثها بالتأكيد على أن مواجهة الشائعات لا تكون بالنفى فقط، بل بالصدق والتواصل مع الجمهور بوجوه يثق بها، وبخطاب يعترف بالأخطاء إن وجدت، ويظهر الجهود الحقيقية المبذولة دون مبالغة أو تهوين.
وطالبت الدكتورة ميرفت سليمان، أستاذ الإعلام بجامعة طنطا، بضرورة تفعيل أدوات الدولة فى مواجهة الشائعات والتحريض الإلكترونى، مشددة على أهمية تطبيق رقابة صارمة على المحتوى المنشور عبر مواقع التواصل الاجتماعى، لا سيما حين يتسبب فى تهديد الأمن القومى أو يورط الدولة فى أزمات سياسية ودبلوماسية مع دول أخرى.
وأكدت د. ميرفت أن هناك جهات مختصة بالفعل، مثل فرع جرائم الإنترنت بالنيابة العامة، لكنها شددت على ضرورة أن يكون تفعيلها أكثر صرامة وتأثيرًا فى ظل تصاعد حملات التضليل عبر الفضاء الإلكترونى. وقالت: «من أمن العقاب أساء الأدب.. ومواقع التواصل أصبحت مرتعًا للتنمر، والتحرش، والترويج للشائعات، دون خوف من المحاسبة».
وأشارت إلى أن بعض الشائعات لا تقتصر على إثارة البلبلة الداخلية، بل تتجاوز ذلك إلى الإضرار بعلاقات مصر الخارجية. وأضافت: «نجد أحيانًا ادعاءات كاذبة بأن مصر قدمت دعمًا عسكريًا أو معلومات استخباراتية لدولة معينة ضد أخرى، وهذه الأقاويل لا تؤدى فقط إلى تضليل الجمهور، بل تضع الدولة فى موقف حرج دوليًا».
وأضافت سليمان إلى أهمية إشراك المواطنين فى هذه المواجهة، قائلة إن على الدولة بالتوازى مع الإجراءات القانونية، أن تُطلق حملات توعية فى وسائل الإعلام ومنصات التواصل المختلفة، تُعلّم المستخدمين كيفية التمييز بين المعلومة الصحيحة والشائعة، وتحثهم على الإبلاغ فورًا عن أى محتوى يمس الأمن القومى أو يروج لمعلومات كاذبة.
وأضافت: «لا بد من خلق وعى عام بأن أى منشور قد يعرض الدولة لأزمة خارجية أو داخلية، هو أمر شديد الخطورة. والمواطن شريك فى حفظ الأمن المعلوماتى والسياسى».
وأكدت أن تفعيل أدوات الردع مثل الحظر، والتحقيق، والإغلاق المؤقت لبعض الصفحات أو الحسابات المتورطة، قد يكون له أثر بالغ فى الحد من هذه التجاوزات، خاصة إذا ارتبط بتعاون حقيقى من مستخدمى الإنترنت أنفسهم.
واختتمت حديثها بتأكيد أن الردع لا يعنى فقط العقاب، بل يشمل الوقاية والتوعية، وقالت: «الدولة يجب أن تضرب بيد من حديد لمن يروج الأكاذيب، وفى الوقت نفسه تفتح يدًا أخرى للتوعية والحوار. فمواجهة الشائعات مسئولية مشتركة بين الدولة والمجتمع».