خارج السطر
ثمة تصور خاطئ يشيع لدى قطاع كبير من الباحثين مفاده أن نشأة الصناعة الحديثة فى مصر ترجع إلى عهد الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر.
وبروتينية غير مدققة، يكرر كتاب وصحفيون نسبة كثير من الصروح الصناعية الكبرى التى تمت خصخصتها مؤخراً إلى العهد الناصرى، وهو ما يخالف الحقيقة حيث تمتد جذور معظم الصناعات الكبرى إلى ما قبل ثورة يوليو 1952. ويتناسى هؤلاء أن قرارات التأميم التى صدرت فى مصر عامى 1960، و1961 استهدفت كيانات ومنشآت صناعية كبرى كانت قائمة وكان يمتلكها قطاع خاص حقيقى قوامه المصريون والأجانب.
وليس صحيحاً أن مصر كانت خلال حقبة الملكية فى الفترة من 1922إلى 1952 بلداً زراعياً فقط لا يعرف الصناعات التقليدية، ولا يستخدم الماكينات والآلات. فالحقيقة تؤكد أن السياسة لعبت دوراً فى تزوير التاريخ المصرى، فصورت اقتصاد البلد كأنه اقتصاد هش قائم على وكالات تجارية تفتقد للإنتاج والعمالة الماهرة والمعدات الحديثة.
من هنا يكتسب كتاب «الصناعة فى مصر» لمؤلفه حسين على الرفاعى الصادر سنة 1935 أهمية كبرى لأنه يكشف ويحلل ويصف الصناعة فى مصر ويتتبع كثير من الكيانات العملاقة وتطورها عبر الزمن.
يقع الكتاب فى 678 صفحة من القطع المتوسط، وينضغط الكلام فى كل صفحة، بما يؤكد أنه عمل موسوعى تزيد كلماته على 150 ألف كلمة.
ويقدم المؤلف نفسه على غلاف الكتاب بكونه «مدير قسم النشر والترجمة ورئيس تحرير مجلة التجارة والصناعة، وحائز على امتحان الدكتوراه فى القانون ودبلوم العلوم الجنائية من باريس».
وتتناول مقدمة الكتاب فكرة لا نكاد نقرأ عنها شيئاً فى مراجع أخرى هى أن محمد على باشا استعان بخبير أوروبى يدعى لينان دى بلفون لبحث تأسيس صناعات حديثة، وكان رد الخبير أن الصناعة لا تصلح فى مصر بسبب سخونة الطقس فى الصيف، ما يستحيل معه حفظ الآلات الدقيقة المستخدمة فى الغزل، فضلاً عن غياب الوقود حيث لا توجد غابات فى البلاد ولا مناجم. كما كان دى بلفون يرى أن العامل المصرى لا يمكن أن يجارى العامل الأوروبى فى المهارة والإتقان. وتضيف المقدمة بأن الأيام دحضت مزاعم المثبطين، حيث ولدت فى مصر صناعات عظيمة ومتنوعة.
ويكشف الفصل الأول جهود الملك فؤاد الأول، (1918ـ1936) فى صناعة النهضة العمرانية والعلمية والصناعية، وتتضمن إنجازاته إنشاء اتحاد للصناعات المصرية، وجمعية التشريع والإحصاء، ومعهد الأبحاث المائية، ومعهد الصحارى، والمعهد الزراعى، بالإضافة إلى مد شبكة من الطرق وخطوط السكة الحديد، والبريد، والتليفون، والتلغراف. كما افتتح الملك عشرات المصانع المملوكة للقطاع الخاص فى مجالات الغزل والنسيج، الزجاج، الجلود، الكبريت، الشمع، العطور، الأسمنت، والأسمدة.
وقامت الحكومة بتعديل التعريفة الجمركية سنة 1930لحماية الأسواق من المصنوعات الأجنبية، وأولت اهتماماً كبيراً بالتعليم الفنى والصناعى فافتتحت المدارس فى القاهرة وأسيوط ونجع حمادى والزقازيق ودمياط والمنيا والفيوم وباقى المدن.
ويكشف المؤلف أن صناعات عديدة فى مصر تحولت من العمل اليدوى إلى العمل الآلى بفضل الأجانب مثل السويسرى جروبى، واليونانى تيسباس فى مجال الحلويات، والبلجيكى هنرى نوس فى مجال السكر، والإيطالى سورناجا فى مجال الطوب، والأرمنى ماتوسيان فى مجال الدخان، وغيرهم.
وطبقاً للكتاب صناعة الغزل والنسيج كانت الصناعة الأولى فى مصر، بسبب شهرة القطن المصرى عالمياً، ولأن كثيراً من الأجانب المهاجرين فى القرن الـ19 ركزوا على نقل أنوال ومعدات حديثة لتصنيع غزل ونسيج متميز وجد مكانه فى الأسواق الأوروبية.
وتعد صناعة الأثاث المصرى ثانى أهم الصناعات التى حققت شهرة واسعة فى ذلك الوقت خاصة على مستوى الأقطار العربية والأوروبية.
ويمكن من خلال الكتاب التعرف على عدة صناعات اندثرت تماماً بفعل تغيرات الزمن والتطور السلوكى مثل صناعة الطرابيش، وصناعة الثلج وصناعة الشمع.
ولاشك أن ذلك الكتاب يدحض أكذوبة بناء النهضة الصناعية لمصر بعد ثورة يوليو.
والله أعلم.