تأملات
أكتب هذه السطور قبل أن تظهر الرؤية بشكل واضح بشأن مساعى وقف النار فى غزة، وهى الجهود التى يحركها الرئيس الأمريكى ترامب. وللأسف فإن البعض ينخدع بهذا التحرك وبما تشير إليه ظواهر الأمور فيذهب إلى ما يعتبره بوادر صدام أمريكى إسرائيلى بشأن هذا التوجه وفى ذهنه أن نتنياهو يقف عقبة كؤوداً أمام هذا الأمر وكأنه يتحرك بإرادة منفردة وبشكل مستقل عن الإرادة الأمريكية.
المهم أن آخر ما تكشفت عنه المساعى الأمريكية ما أعلنت عنه قناة القاهرة الإخبارية مساء أمس الأول بشأن إعلان ترامب نفسه عن موافقة إسرائيل على شروط وقف إطار النار فى غزة لمدة ستين يوما. بعيدا عن التفاصيل فإن شكل الإعلان يؤكد ما نقوله بشأن تنسيق أمريكى إسرائيلى لخطوة وقف النار فى غزة، وأنه ربما يأتى لرفع الحرج عن نتنياهو الذى طالما أعلن عن سعيه لاستكمال الحرب. ولعل التضارب فى تصريحات ترامب والتى هى سمة أساسية فى مختلف مواقفه يؤكد ذلك، حيث إنه فى الوقت الذى أشار فيه إلى أن نتنياهو يريد إنهاء الحرب، راح يؤكد أنه سيكون حازماً مع نتنياهو بشأن إنهاء الحرب هناك!
الملمح الثانى لإعلان ترامب هو أن الاتفاق لا يتضمن وقفاً للحرب وإنما هدنة مؤقتة لمدة شهرين وهو طرح خبيث ألمحنا له من قبل فى مقال سابق، لا يخفى الهدف منه والمتمثل فى الالتفاف على الفشل الإسرائيلى فى تحرير الأسرى لدى حماس عسكرياً بتوفير غطاء سياسى يحقق عملية التحرير تلك، وإطلاق يد إسرائيل مرة ثانية فى عملياتها فى غزة فى ظل كون الاتفاق هدنة مؤقتة وليس وقفاً دائماً للحرب كما تطالب حماس.
واذا كان رد حماس منتظراً بين لحظة وأخرى إن لم يكن قد أعلن لحظة قراءتك لهذه السطور، فإن الرفض هو الأقرب للاحتمال، فمن غير المنطقى أن تقبل الحركة التخلى عن ورقة أساسية فى يدها هى ورقة الأسرى فى مواجهة عدو لا يقيم وزناً لأى نوع من الأعراف أو القوانين الدولية فى مواجهة مواطنين عزل ويحركهم يميناً وشمالاً بين يوم وآخر ولا يخفى أطماعه فى ابتلاع قطاع غزة بأكمله.
طبعاً هناك الكثير من التفاصيل التى ربما تغير من شكل رد حماس فضلاً عن الظروف على الأرض ووطأة العمليات العسكرية الإسرائيلية، غير أن قدرة الحركة على إيقاع الخسائر بإسرائيل حتى الآن وآخرها العملية التى راح ضحيتها سبعة من القوات الإسرائيلية هناك ربما يمثل ضغطاً على الداخل الإسرائيلى من أجل الدفع بنوع من التسوية مقبول من الجانبين وليس هدنة مؤقتة.
قد يشير البعض إلى أن حماس ليس لديها من الأوراق التفاوضية ما يمكنها من فرض شروطها، وهذا صحيح فى جانب كبير منه، غير أن الحركة لا ينبغى لها أن تقدم غزة بعد حرب دامت أكثر من العام ونصف العام على طبق من فضة لإسرائيل.
من جانب ثالث فإنه ربما يمكن تفهم تدخل ترامب على هذا النحو على أنه يعكس اختلاف أولويات بينه وبين نتنياهو، وأن الرئيس الأمريكى فى وضعه أولوية لهذه الخطوة التى يحرص على أن تكون مفتوحة ولا تغلق باب الحرب تماما، يراها مقدمة لتوسيع الخطوة التى بدأها فى ولايته الأولى بشأن الاتفاقيات الإبراهيمية بضم دول جديدة مثل السعودية ولبنان وكذلك سوريا، الأمر الذى ربما يرى نتنياهو أنه لا يستحق وقف الحرب باعتبار أن توسيع التطبيع سيتحقق فى كل الأحوال.
ربما يكون هذا الطرح سابقاً لأوانه.. فلننتظر ونرَ وإن كنا نعتقد بأن الفترة المقبلة مليئة بالمفاجآت والتطورات التى ربما لم ترد على البال.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض