رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

ليس كل الراحلين سواء. بعضهم، عندما يغيب، يتغير معه وجه الوطن، ويختل توازنه، كأن عمودا من روحه قد انكسر، رحيل فؤاد باشا سراج الدين لم يكن مجرد خبر وفاة في صفحة الجرائد، بل كان زلزالا هز وجدان الأمة، وترك فراغا في قلب الوطن لا يعوضه شيء.

كان زلزالا سياسيا ووطنيا، اهتزت له قلوب الأوفياء، فهو من هؤلاء الرجال الذين الكلمات لا تكفي لوصفهم، والسطور لا تحتويهم، لأنهم أكبر من اللغة وأعمق من التاريخ.

آخر الباشوات، لكن باشويته لم تكن مجرد لقب أو نسب، بل تاج وضعته الأيام على رأسه، عاش مرفوع الهامة، شامخ المبدأ، ثابتا كالجبال أمام الاحتلال، وأمام كل من حاول أن يساوم على شرف الوطن. 

لم يكن يركض وراء المناصب، بل المناصب هي التي كانت تبحث عن قامته. لم يكن سياسيا يعرف المساومة، بل كان وطنيا يقطع على نفسه العهود ولا يخونها.

في تاريخ الشعوب، هناك لحظات إذا غاب أصحابها، شعرت الأمة كلها بثقل الفقد، التاسع من أغسطس ليس مجرد تاريخ، بل اليوم الذي ودعت فيه مصر آخر الرجال الذين لم يبدلوا وجههم تحت أي عاصفة، آخر الباشوات الذين لم تصنعهم الألقاب، بل صنعتهم مواقفهم: فؤاد باشا سراج الدين.

هذا الرجل لم يكن سياسيا يتبع الريح، بل كان الريح نفسها حين تهب في وجه الاحتلال، والعاصفة التي لا ترحم الفساد، والسد الذي تتحطم عليه موجات التنازلات. 

عاش من أجل الوطن، ودفع ثمن مواقفه من حريته وصحته وراحته، لكنه لم يتزحزح عن مبدأ واحد، من أراد أن يعرف معنى الوطنية، فليقرأ تاريخه؛ ليس كصفحات صفراء في كتاب، بل كدماء ساخنة تجري في شرايين مصر.

كنت وما زلت أؤمن أن السياسة في جوهرها ليست صراعا على كرسي، بل صراعا على روح الوطن، وفؤاد باشا كان من أولئك الذين جعلوا من هذا الصراع ملحمة شرف.

في 25 يناير 1952، حين رفض إنذار المحتل، كتب بيده صفحة من أنقى صفحات الكرامة المصرية، لم يكن القرار سهلا، لكنه كان يعرف أن الكرامة أغلى من العمر نفسه.

وعزاءه، الذي حضرته، كان أكبر من وداع رجل، كانت القاهرة ترتدي حزنا شامخا، يشبه الرجل الذي فقدته، الطريق المؤدي إلى القاعة كان بحرا من البشر .. رجال دولة، قيادات حزبية، شيوخ، شباب، وبسطاء. 

وجوه دامعة وصدور مرفوعة، كأنهم يقولون للعالم: هذا رجل لا يرحل إلا جسدا، رائحة البخور امتزجت بعبق الزهور، وهمسات الدعاء علت بين صفوف المعزين. 

في زاوية القاعة، رأيت عيونا تحكي مواقف لم ترو، وأيد تتشابك في صمت، وكأنها تتعاهد على ألا يضيع ميراثه، كان العزاء لوحة وطنية حية، لا فرق فيها بين صاحب منصب وعابر سبيل، الجميع كانوا أبناء لرجل واحد: الوطن.

اليوم، ونحن نعيش زمنا تتراجع فيه المبادئ أمام إغراء المصالح، أعود دائما إلى صورة فؤاد باشا كبوصلة في بحر هائج، تذكرني أن الزعامة ليست خطبة رنانة ولا وعدا موسميا، بل رحلة عمر مبنية على التضحية، وميراث من الصدق لا يشوبه غبار.

فؤاد باشا سراج الدين لم يكن زعيم حزب فقط، بل كان زعيم روح الوطن، حافظ لذاكرته، مقاتل في معاركه، وصوت الحق حين يسكت الجميع، رحل جسده، لكن الحكاية لم تنته، فبعض الرجال لا يموتون، بل يتحولون إلى جزء من هوية الأمة.

ولم يكن فقط مثالا للوطنية في سلوكه العام، بل تعلمت على يده معنى حب الوطن وتراب الوطن، على يديه، فهمت أن الوطنية ليست مجرد شعارات أو كلمات تقال في المناسبات، بل تضحية يومية، استقامة في المواقف، ووفاء لعهد الأرض والناس. 

علمتني أن الوطن يبدأ من القلب، ويستمر في العمل، وأن من يقدر وطنه لا يتنازل عن كرامته أو عن شرف أرضه مهما كانت التحديات.

في ذكراه، لا أبكيه فقط، بل أتعهد أن أظل وفيا للمعنى الذي عاش ومات من أجله: أن الوطن أكبر من الكراسي، وأغلى من الأعمار، ومن يخونه لا يستحق أن يمشي على أرضه.

فيا من يقرأ هذه السطور، تذكر أن أمثال فؤاد باشا لا يأتون إلا مرة كل قرن، وإذا جاءوا، فعلى الأمة أن تحميهم كما تحمي قلبها، لأن برحيلهم يفقد الوطن جزءا من روحه لا يعوض.

هناك أسماء لا يجرؤ الزمن على مسحها من الذاكرة، لأنها محفورة في قلب الوطن قبل أن تكتب في كتب التاريخ، وفؤاد باشا سراج الدين أحد هذه الأسماء النادرة. 

في كل ذكرى رحيله، أشعر أن مصر فقدت آخر السدود التي كانت تحميها من الابتذال السياسي والانتهازية، لم يكن مجرد زعيم حزب، بل رمز للصلابة والوفاء، ورجل أدرك أن خدمة الوطن لا تقاس بعدد المقاعد أو الهتافات، بل بقدر ما تدفع من روحك ووقتك وكرامتك.

عرفت هذا الرجل من قصص المواقف، لا من صفحات الجرائد، رجل يواجه الاحتلال بلا وجل، ويقف في وجه الظلم رغم علمه بثمن ذلك.

رجل يحترم نفسه قبل أن يطلب احترام الآخرين، ويعرف أن الزعامة ليست هتافا في ميدان، بل قرار صعب في لحظة مصيرية، حين تولى المناصب، لم يجلس على الكرسي ليراقب من فوق، بل ليقترب أكثر من هموم الناس، ويجعل السياسة أداة لحماية الوطن، لا لإدارته فقط.

9 أغسطس، ذكرى وفاته، ليست يوما للحزن فقط، بل للتأمل، فؤاد باشا كان شاهدا على زمن كان فيه السياسيون مستعدون للتضحية بمناصبهم من أجل المبادئ، وكان الحوار أداة بناء لا وسيلة تصفية حسابات، رحيله كان نهاية مرحلة وبداية فراغ لم يملأه أحد حتى الآن.

أتذكر عزاءه، لم يكن وداعا عاديا، بل مشهدا يلخص معنى الانتماء، وجوه من كل أطياف مصر، أجيال مختلفة، جميعهم حضروا ليقولوا شكرا لرجل لم يساوم على وطنه، الحزن كان عميقا، لكن الفخر أعمق.

اليوم، ونحن نرى السياسة تتحول أحيانا إلى لعبة مصالح قصيرة المدى، أستحضر صورة فؤاد باشا كبوصلة تذكرني أن الوطن أكبر من الأفراد، والمبادئ أثمن من المكاسب. 

رحل آخر الباشوات، لكن إرثه باق، يحرسه من يعرف أن الوطنية ليست شعارا على جدار، بل سلوك وموقف يدفع صاحبه ثمنه راضيا مطمئنا، هكذا أراه دائما رجل بحجم وطن، ودرس مفتوح للأجيال، وذكرى ترفض أن تتحول إلى ماض صامت.