رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

فى زمن القوالب الأسمنتية، والحقائق الزائفة، والذكاء الاصطناعى، توقظنا عبارة عابرة تصدُر من بائع فجل يجلس على الرصيف، تحمل خُلاصات الحياة.

يبدو الابداع فى بلادى صفة لصيقة بالناس، العوام منهم قبل الخواص، المارين فى الشوارع، والجالسين على المقاهى، والمُثرثرين فى كل شىء. فبينهم أذكياء ونبغاء ومبدعون كثر.

نسمع نُكتة مُفصلة تتضمن حكاية ما، ونُرددها من مجلس إلى مجلس فيضحك الجميع، ولا يعرف أحدًا على وجه التحديد كيف ولدت هذه النُكتة؟ ومَن مؤلفها الحقيقى ومَن يملك حق ملكيتها الفكرية؟

تعجبنا عبارة ما فنُعيد تكرارها لتُصبح مثلا شعبيا يُكرر ويُمرر من بلدة إلى بلدة، ويبقى المؤلف الأول لهذه العبارة مجهولا تمامًا.

فى يوم ما قال لى صديقى المبدع الراحل مصطفى بيومى إن أجمل بيت شعرى مصرى فى رأيه هو «ورمش عين الحبيب يفرش على فدان». والجمال الأدبى هُنا فى تقدير قيمة الأرض الزراعية للفلاحين، الذين يعتبرون رمش مَن يحبونهم واسعا باتساع أرض يحلم بها. لكن المثير فى هذا البيت أنه مجهول المؤلف، وقد ورد فى فيلم «يوميات نائب فى الأرياف» على لسان مجذوب القرية وهو يغنى موالا شعبيا.

إن أحدا لا يعرف يقينا مَن هو الذى ألف هذه العبارة الخلابة الساحرة التى اعتبرها المفكر لويس عوض، تُعادل كل الشعر العربى الذى قاله المصريون منذ الفتح العربى فى القرن السابع الميلادى، وحتى الاحتلال البريطانى سنة 1882.

وفى الفلكلور الشعبى أغان وتواشيح ومواويل عديدة تنتشر بين طبقات الشعب ويحفظها الجميع ولا يعرف مَن هُم مبدعوها من أمثلة » زمنك زمن الكلوبات.. لُمض الصفيح بطلوها»، و» يابت جمالك هبشنى..»، و»قال الخسيس للأصيل..»،و»يا بهية وخبرينى عاللى قتل ياسين» وغيرها.

كما أننا نجهل أصحاب عبارات قوية وبليغة رددها الناس عقودا من عينة »يارب يامتجلى..اهلك لنا العثمانلى» والتى قيلت كاحتجاج شعبى ضد الحكم العثمانى لمصر، وما أذاقه للناس من عسف وقهر.

ويُعرف الناس عبارة لافتة مسجوعة ولدت فى مصر على ألسنة العوام سنة 1914 عندما خلع الإنجليز الخديو عباس من حكم مصر، وهو فى رحلة خارج البلاد، وعينوا السلطان حسين كامل، وهى »الله حى..عباس جاى». وظلت العبارة تُردد فى الشوارع لإغاظة الإنجليز وتهديدهم، وإن لم يأت عباس أبدا، وتقبل الحصول على تعويض مالى من الحكومة المصرية مقابل تنازله عن العرش، فيما بعد.

الغريب أن حس الفكاهة والتأدب والبلاغة ذائع وشائع فى مصر، ومتوارث من جيل إلى آخر، وهو يُنبىء بجمال منسى، وابداع غائب، وأدب رفيع منثور فى كل مكان. وهو دليل قوى على أن قرار وزارة الثقافة باغلاق بعض بيوت الثقافة فى مراكز وقرى فى صعيد مصر النائية هو قرار خاطئ.

فالابداع ليس حكرا على القاهرة والإسكندرية والمُدن الكبرى وحدها، بل فى قرى صغيرة، نائية، مُنعزلة عن العالم، ربما لا يدخلها أحد، ولا يمر بها مسئول، لكنها ثرية بطاقات إبداعية عظيمة. ولا يصح لأمة لديها حضارتنا أن تدفن مبدعيها أحياء.

والله اعلم

[email protected]