خارج السطر
تستفزنى كلمة «لو» عندما تُوظَّف فى غير موضعها لاستقراء بعض حوادث التاريخ، فتقلب الحُسن قُبحًا، وتُبطل الحق، وتُحق الباطل، وتُشوِّه انتصاراتٍ، وتُبرِّر سقطاتٍ، ويغلبها الهوى.
فى الخميس الماضى 15 مايو 2025، كتب الدكتور وحيد عبد المجيد، المفكر والمحلل السياسى، مقالًا بالأهرام بعنوان »اجتهادات مَن كتب خطاب الكنيست»، قال فيه إن الرئيس أنور السادات طلب قبيل سفره إلى إسرائيل سنة 1977 من الدكتور بطرس غالى وزير الدولة للشئون الخارجية وقتها، كتابة خطابه الذى سيقوم بإلقائه فى الكنيست. وبالفعل كتب غالى خطابًا رصينًا استند إلى حقائق التاريخ، لكن الرئيس السادات لم يقتنع به، وطلب من موسى صبرى كتابة خطاب آخر.
وذكر وحيد عبد المجيد أن الخطاب الذى كتبه موسى صبرى كان عاطفيًّا واستدل بكثير من الاقتباسات الدينية من الكتاب المقدس والقرآن الكريم، وهو ما لاقى قبولًا لدى الرئيس، مفضلًا إياه باعتباره خطاب العاطفة والعقل معًا.
لكن المؤسف فى تحليل وحيد عبد المجيد هو ذلك الحكم الوارد فى نهاية مقاله، من أن خطاب موسى صبرى الذى ألقاه السادات كان بداية مسار تفاوضى حصل فيه السادات على أقل مما كان ممكنًا. وهذا حكم غير منصف ومتسرع لم يكن ليصدر عن رجل بخبرة واطلاع وحيد عبد المجيد.
فللتاريخ وللصدقية ولحق الأجيال القادمة فى أن تعرف، نقطع الآن بأن لغة خطاب الكنيست لم تكن متخاذلة أو مستسلمة، أو ساكنة، وإنما قوية ومركزة على الحق العربى فى الأرض والسلام.
ولم يكن لجوء لغة الخطاب إلى النصوص المقدسة خصمًا منها، بل كان ذلك أمرًا مطروحًا ومؤثرًا ومعمولًا به فى كافة خُطب الساسة فى العالم كله.
ومَن يراجع الخطاب الآن يجد وضوحًا فى طرح الحقوق، ومخاطبة الجماهير الراغبة فى السلام، والدعاية العالمية للعرب ولمصر باعتبارها أمة صاحبة حضارة وسلام.
وبشكل واقعى، فإن لغة الخطاب لم تكن لتُحدث فرقًا فى مسار المفاوضات نفسها، لأن هناك نقاط قوة لكل طرف مفاوض يعتمد عليها بعيدًا عن الخطابات الإعلامية.
إن نظرية وحيد عبد المجيد تفترض أن مصر حصلت على أقل مما يجب خلال اتفاقية السلام التى استردت بموجبها شبه جزيرة سيناء كاملة، وهو تصور يُمثل إجحافًا بحق أجيال من الساسة والمفاوضين خاضوا أدوارًا تستحق الإشادة، وليس أفضل فى هذا الشأن من شهادة أحمد أبو الغيط، الأمين العام للجامعة العربية، التى صدرت فى كتاب عن نهضة مصر عام 2013 بعنوان »شاهد على الحرب والسلام» وذكر فيها أن المعركة التفاوضية الدبلوماسية المصرية لم تكن أقل براعة من المعركة المسلحة، وهو ما يستوجب التحية والتقدير للدبلوماسية المصرية التى حققت لمصر أفضل ما هو ممكن.
إن الرئيس السادات كان شخصية استثنائية فى العبقرية والدهاء، وقد فضل خطاب موسى صبرى عن خطاب بطرس غالى لأنه كما يقول بطرس غالى لعادل حمودة فى إحدى حواراتهما رأى أن خطاب غالى أكثر أكاديمية، وأنه فى حاجة فى مناسبة تاريخية مثل هذه إلى خطاب عاطفى وشعبوى.
لقد كان موسى صبرى واحدًا من أفضل وأقوى الكتاب الصحفيين فى القرن العشرين وارتبط بصداقة قوية مع الرئيس السادات وكتب له أكثر من مئة خطاب بما فيها خطاب النصر. وهو بلا شك كاتب موهوب فذ، واسع الاطلاع والمعرفة، ولديه حس سياسى قوى، وربما يدل على ذلك أنه كان أصغر رئيس تحرير لصحيفة قومية، وأنه كان الأول على دفعته بكلية الحقوق وعُيِّن وكيلًا للنيابة، وكتب عشرات القصص والروايات والترجمات. واستحق مكانته. والله أعلم.