رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

عيد الشقيانين.. العمال سابقًا

بوابة الوفد الإلكترونية

يتنقلون بين الشوارع والأرصفة.. يحملون البضائع الثقيلة على عربات حديدية.. ينظفون الطرقات فى صمت..أعينهم تبحث عن فرصة لحياة أفضل.. لا معاشات تضمن لهم مستقبلًا كريمًا أو حماية اجتماعية تقيهم من قسوة الحياة.. يخوضون يوميًا معركة جديدة مع الظروف التى لا ترحم، يعيشون على هامش المجتمع، بعيدا عن الأنظار، وأصواتهم تائهة بين ضجيج الحياة السريعة، رغم كل الصعوبات، فإنهم يظلون أحياء فى هذا العالم القاسى، لا يطلبون سوى فرصة للعيش بكرامة، وأملًا فى أن تأتى لحظة تكون فيها حياتهم أكثر سهولة وأقل مرارة.
يمشى «رمضان» بدفع عربته البسيطة يجمع ما يمكن بيعه من نفايات. رجل فى أواخر الأربعينيات، ملامحه تشى بسنوات من التعب، ويداه المتشققتان تحكيان فصولًا من الكفاح المستمر.
رمضان على، كان عاملًا بسيطًا فى مصنع للبلاستيك، عمل فيه أكثر من 15 عامًا. يقول بصوت هادئ، يخفى وجعًا عميقًا: «المصنع كان حياتى. صحيت يوم لقيتهم بيقفلوا الباب فى وشى، قالوا المصنع اتقفل ومفيش شغل تانى».
لم تكن لديه شهادات عالية ولا مهارات مكتبية. خرج من المصنع وهو لا يملك شيئًا سوى يديه. بحث كثيرًا عن عمل، لكن «السن كبر، والفرص قلت»، كما يقول. وبعد شهور من المحاولات الفاشلة، لم يجد أمامه إلا الشارع. بدأ يجمع الزجاجات البلاستيكية والكرتون من القمامة ليبيعها مقابل جنيهات قليلة.
«أنا مش أقل من حد، بس الظروف خلتنى كده. بشتغل من الفجر لآخر النهار علشان أرجع لأهلى بحاجة نعيش بيها». رمضان أب لثلاثة أطفال، يحلم بأن يراهم فى مدارس، لا فى الشارع مثله.
ورغم النظرات القاسية أحيانًا، لا يشعر بالخجل، بل بالفخر لأنه لا يمد يده لأحد. «الشغل مش عيب، والكرامة إنك تأكل من تعبك».


 «عماد»: حياتى كلها أشغال شاقة.. و«رمضان»: أجمع الزبالة بعد طردى من عملى

«مدحت»: طفولتى ضاعت.. وأنام على الرصيف

 

ميكانيكى حقوق
«أنا ميكانيكى، بس مش بس ميكانيكى.. أنا كمان بليسانس حقوق»، قالها جمال السيد، بابتسامة شديدة الصدق، وهو يمسح يديه المليئتين
بزيت المحركات، وتابع: «محدش هيصدق لو قلتلك إن أنا لما تخرجت من كلية الحقوق، كنت عايز أغير الدنيا. بس الدنيا ما بتديش كل حاجة على طبق من ذهب. كنت فكر إن الشهادة هتفتح لى أبواب المحاماة والمستقبل، لكن الدنيا قالت لى: ‹إنت مكانك هنا فى الورشة». 
يقول جمال هذه الكلمات بحزن مكتوم، لكنه يضيف بعدها مباشرة: «لكن اللى حصل حصل. أنا مش نادم على حاجة، لأننى تعلمت إن الحياة مش دايمًا بتكون زى ما إحنا عاوزين. من يوم ما دخلت كلية الحقوق، كنت شايف نفسى محامى كبير، لكن الحياة علمتنى إنك مش هتعيش على الحلم لوحده. لازم تتحمل وتشتغل».
تخرج جمال، من كلية الحقوق قبل عشرين سنة، ومع ذلك، لم يجد نفسه فى مكتب محاماة أو أمام قاضى محكمة، بل وجد نفسه يقضى يومه بين قطع الغيار والزيوت فى ورشة سيارات. كان يعمل مع والده فى نفس الورشة الصغيرة التى ورثها عن جده. فى البداية، كان يرى أن تلك الأيام التى يقضيها فى الورشة هى مجرد مرحلة مؤقتة، وأنه فى يوم من الأيام سيجد طريقه الحقيقى. ولكن مع مرور الوقت، اكتشف أن الحياة ليست فقط عن الشهادات أو المناصب الرفيعة، بل عن القدرة على التكيف مع الواقع.
«الورشة علمتنى حاجات كتير. علمتنى إزاى أعيش بكرامة، وازاى أحترم شغلى مهما كان بسيطًا فى نظر الناس. الشغل فى الورشة ملوش علاقة بالشهادة اللى معايا، بس هو مصدر رزقى وأنا مش مستحيى من شغلى. اليوم اللى قعدت فيه مع نفسى وفهمت إن الشهادة مش هى اللى هتأكلنى، بل الجدعنة والعرق، كان هو اليوم اللى اتغيرت فيه حياتى».
رغم أنه كان يحمل شهادة جامعية، إلا أن جمال يرى أن الحياة علمته دروسًا أكبر من أى كتاب. عندما يسأله أحدهم عن شعوره كميكانيكى يحمل بليسانس حقوق، يبتسم ويقول: «الناس ممكن تستغرب، لكن أنا مش مستحيى من شغلى. بالعكس، أنا فخور بيه. لأنه هو اللى خلانى أعيش بكرامة، وأحترم نفسى».
حياته لم تكن سهلة، ولا خالية من التحديات. كان عليه أن يتعامل مع الأحكام المسبقة من المجتمع، الذى يعتقد أن الشهادات الجامعية هى المعيار الوحيد للنجاح. لكن جمال يرفض أن يكون أسيرًا لهذه الأفكار المقولبة. «أنا مش عايز أكون حاجة تانية غير نفسى. عايز أعيش حياة حقيقية، حياة فيها شرف وكرامة، سواء كنت محامى أو ميكانيكى».
ورغم الصعاب التى يواجهها، إلا أن جمال يظل متفائلًا. يروى قصته قائلًا: «فى النهاية، الناس مش هيتذكرونى بسبب الشهادة أو الشغل، هيتذكرونى بسبب إنى كنت نفسى. دايمًا بقول لنفسى، المهم إنك تبقى راضى عن نفسك. أنا عايش بلقمة عيشى، ودى هى أحلى حاجة فى الدنيا. «واقف، مهما كان».
أحلام الشباب
عماد رشدى شاب عشرينى فى مقتبل العمر، يحلم كأى شاب فى عمره بمستقبل مشرق، ولكن الحياة لم تمنحه الفرصة لتحقيق تلك الأحلام كما كان يتمنى. فى أحد الأحياء الشعبية، حيث تنتشر رائحة الحياة البسيطة، يعمل عماد على عربية ربع نقل، ينقل البضائع من مكان لآخر، لكن هناك أكثر من مجرد قوة جسده التى يتحرك بها. فى قلبه قوة أخرى أكبر، هى قوة الإرادة والعزيمة.
«أنا بحب أكون نفسى»، يقول عماد وهو يتوقف للحظة ليأخذ نفسًا عميقًا بينما يُحمل على ظهر عربته كميات من البضائع المختلفة. «عمر ما كان عندى حلم واحد زى باقى الناس، ولا كان عندى فرصة زيهم. لكن ما يمنعنيش إن أكون أنا اللى عايز أكونه».
عندما يتحدث عماد عن نفسه، ترى فى عينيه مزيجًا من الحزن والأمل. الحزن لأنه لم يكمل تعليمه كما كان يطمح، والأمل لأنه يعرف أن العمل والجد يمكن أن يعوضا كثيرًا من الفرص التى ضاعت. «كنت عايز أتعلم زى كل الناس، كنت بحلم أكون مهندس أو على الأقل أكمل دراستى فى حاجة كويسة. بس الحياة ما كانتش سهلة، خصوصًا بعد ما أبويا عجز عن تعليمى بسبب ظروفه الصحية».
بدأت القصة منذ سنوات عندما كان عماد فى مرحلة الثانوية العامة. كان يعيش مع أسرته فى منطقة شعبية، حيث كان والده هو من يعيل الأسرة، ووالدته كانت تعمل فى مهن متواضعة لتساعد فى توفير لقمة العيش. ولكن مع مرور الوقت، بدأت صحة والده تتدهور، وأصبح غير قادر على العمل كما كان فى الماضى.
«والدى كان بيشتغل فى مجال البناء، وكان عنده طموح يعلمنى ويخلى عندى فرصة أحسن من فرصته، لكن لما مرض، كل حاجة تغيرت. ما كانش فيه فلوس للمدارس أو للدروس، وقررنا نوقف تعليمى عشان نقدر نعيش».
وبعد توقفه عن الدراسة، بدأ عماد البحث عن عمل يساعده على تحمل مسؤولية نفسه وأسرته. وجد نفسه فى البداية يعمل على عربات صغيرة لنقل البضائع، وفى وقت لاحق، أصبح يقود عربية ربع نقل. ورغم أنه يعمل فى مهنة لا علاقة لها بما كان يحلم به، إلا أنه وجد فى العمل فرصة لتعويض الخسارة التى شعر بها بسبب قطع تعليمه.
«أنا مش نادم على شغلى، بالعكس، أنا مبسوط إنى قادر أعيش وأوفر لقمة عيشى بنفسى. صحيح إنى ما كملتش تعليمى، بس فى قلبى حاجة كبيرة عايز أحققها، وهى إنى أبقى نفسى. الشغل على العربية ده مش بس مصدر رزق، ده بالنسبة لى فرصة عشان أثبت لنفسى إنى قادر على كل حاجة».
عماد لا يرى فى عمله على العربية ربع نقل مجرد وسيلة للعيش، بل يرى فيه تحديًا شخصيًا. يتمنى أن يكون يومًا ما قادرًا على استكمال دراسته، ولو فى مجال آخر، ليحصل على فرصة أفضل فى الحياة. يقول: «اللى ضاع منى مش النهاية، ده بس جزء من الطريق. حتى لو مش هكمل تعليمى فى المدارس، يمكن أتعلم شغلة تانية وأفتح لى مشروع خاص. المهم إنك ما توقفش، ولو تأخرت، تفضل تحاول».
وفى الحديث عن مستقبله، يعبر عماد عن أمله فى أن تتغير الظروف، لكنه يدرك أيضًا أن الوصول إلى النجاح يحتاج إلى وقت وجهد أكبر. «أنا زى أى شاب، بحلم بحياة أفضل. لكن المهم إنى أكون صادق مع نفسى وأتعلم من كل حاجة بمر بيها. ما فيش حاجة اسمها وقت ضاع، المهم تبدأ من جديد».
الواقع الصعب
مدحت السيد، شاب فى العشرينات من عمره، يعيش فى حى مزدحم بشارع الأزهر، حيث تلتقى زحمة الحياة مع صعوبة الواقع. يعمل مدحت كعامل فى تحويل البضائع على عربة حديدية، ينقل الأثاث والحقائب من المحلات التجارية إلى الشوارع المزدحمة بالعابرين. ورغم أنه فى هذا السن الذى يُفترض أن يعيش فيه شبابه بكل تفاصيله، فإن مدحت يشعر وكأن سنوات عمره قد تلاشت، فقد فاته الكثير.
«من وأنا صغير وأنا بشيل»، يقول مدحت وهو ينظر إلى العربة الحديدية التى أصبحت جزءًا من حياته اليومية. «ما عشت طفولتى زى باقى الناس. كان عليَّ من وأنا فى سن صغير أن أشتغل عشان أصرف على نفسى وأساعد فى البيت».
مدحت ليس بمفرده فى هذا الموقف، فهو يمثل شريحة واسعة من الشباب الذين ضحوا بطفولتهم من أجل تحمل المسئوليات المبكرة بسبب ظروف الحياة القاسية. فى سن مبكرة، بدأ العمل فى مهن صغيرة تساعده على تأمين قوت يومه، وهو الآن يعمل على عربة حديدية تجرّها قوته الجسدية لتسير بها فى شوارع الأزهر التى لا تهدأ أبدًا.
«حتى لما كنت طفل، ما كانش عندى وقت ألعب زى باقى الأطفال، كنت بشيل حاجات كبيرة فى الشارع عشان أجيب شوية فلوس، بس علشان أعيش. «يضيف مدحت بصوت يختلط فيه الحزن والتعب، «الناس بتعتبرنا مجرد عاملين، لكن فى الحقيقة إحنا مش مجرد آلات نقل، إحنا بشر عايشين برضو».
ورغم كل ما يمر به، لا يلوم مدحت أحدًا. بل يشعر بالعجز المبكر، فبدلًا من أن يعيش شبابه ويحقق بعض أحلامه، أصبح همه الوحيد هو تأمين قوت يومه. «مفيش وقت لفرحة أو لراحة، لأن اللى بيشيل فى ظهره حاجة كبيرة لازم يكملها. أنا مش عايز غير إنى أعيش من غير ما أكون عبء على حد».
تحت سطح تلك الكلمات، هناك حكايات وآلام لا تروى، فكل خطوة يخطيها مدحت على عجل، وكل حمل يرفعه على عاتقه هو تذكير له بحلم ضاع، وهو يراقب شبابه يمر سريعًا دون أن يتمكن من عيشه كما يريد. مع كل عربة حديدية يجرّها، ومع كل طاولة أو صندوق يقله إلى محله التجارى، يشعر أن جزءًا من عمره يمر بدون أن يحظى بفرصة للراحة أو للترفيه. «أنا مش بس بشيل حمولات، أنا كمان بشيل هموم الحياة. أوقات كتير بقول لنفسى ليه مش بقدر أعيش زى باقى الناس؟ لكن فى الآخر، لازم أكمل».
لكن بالرغم من كل ذلك، لا يزال مدحت يحمل فى قلبه طموحًا، وإن كان صغيرًا، لكنه يظل يؤمن أن هناك أملًا فى التغيير. هو يعلم أن الواقع مرير، لكن يمكنه أن يظل يطمح إلى حياة أفضل. «أنا نفسى فى شوية راحة. نفسى أكمل تعليمى اللى ضاع منى عشان الظروف. كنت زمان بحلم أكون مهندس، لكن دلوقتى كل حلمى إنى ألاقى شغل ثابت وأعيش حياة أقل صعوبة».
ومع كل يوم يمر عليه فى الشارع، يتساءل مدحت فى نفسه: «هل سيكون هناك يوم أعيش فيه حياتى كما أريد؟ هل سأجد فرصة لاستعادة ما فاتني؟» ورغم أنه يواجه تحديات الحياة بشجاعة، إلا أن الإجابة على تلك الأسئلة تظل مجهولة.
إلا أن أكثر ما يؤلمه هو الشعور بالعجز المبكر الذى يلاحقه. «فى بعض الأوقات، بحس إنى خلاص مش قادر أكمل. جسدى بدأ يعانى، والمجهود أصبح مرهقًا أكثر من الأول. بس إيه البديل؟» يقولها مدحت بنبرة مليئة بالإحباط، ولكنه فى نفس الوقت يصر على متابعة عمله لأنه لا يملك خيارات أخرى. «الناس مش حاسة إننا بنشتغل ليل نهار علشان نعيش. مش مطلوب منا أكثر من كده. بس الحياة صعبة، وكل واحد فينا عنده أحلام ما قدرش يحققها»