تأملات
من بين المواقف المنددة بعمليات الإبادة الإسرائيلية للفلسطينيين فى غزة، وهى قليلة، يأتى صوت أنطونيو جوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة عاليًا مدويًا بشكل يثير الدهشة ويفتح أبواب الأمل بشأن مسار الأحداث هناك. فالرجل لا يتوانى عن أن يستغل أى مناسبة لإدانة العجرفة الإسرائيلية والدعوة إلى مزيد من الاهتمام الدولى بالأوضاع فى غزة التى تجاوزت كل حدود عرفتها الإنسانية من قبل.
من فرط منطقيته أو صراحته أو مثاليته يبدو لك الرجل كأنه أكثر الأصوات الزاعقة فى البرية بشأن الحقوق الفلسطينية، حيث راح فى وقت خفتت فيه الأصوات بشأن ما يجرى يدعو زعماء العالم لما اعتبره نوعًا من إظهار «شجاعة سياسية» لإنقاذ حل الدولتين، والأمين العام فى تناوله للأزمة لا يقف عند حد الدعوة إلى العمل على وقف عمليات الإبادة التى تسير وفقًا لما يقول من سيئ إلى أسوأ وإلى ما يفوق التصور، وإنما يركز على الحل الأشمل للأزمة والذى يتمثل فى العمل على تطبيق حل الدولتين الذى يراه القضية المحورية للسلام فى المنطقة وأنه يقترب من نقطة اللاعودة.
لو تأملت فى تصريحات الرجل، فستجد أنها ربما لم ترد على تصريحات الكثير من الزعماء العرب أنفسهم، وبذات القوة التى عبر بها عن أهمية وضرورة الإسراع فى مواجهة الأزمة الجارية والبناء عليها لتحقيق الحل النهائى وهو حل الدولتين.
وفيما يمكن اعتباره طرحًا متكاملًا فإن جوتيريش لم يتورع عن أن يقدم فى جلسة نقاش عامة لمجلس الأمن الدولى أمس الأول بعض المطالب التى لا شك قد تغضب إسرائيل، حيث هاجم ما اعتبره - بحق - سياسة الإفلات من العقاب التى تتمتع بها إسرائيل ومحاسبتها على جرائمها فى غزة، وهو الأمر الذى نتصور أنه خلت منه خطابات معظم السياسيين فى العالم.
فمن الغريب مثلًا ويثير تساؤلات بشأن المدى الذى وصلت إليه إسرائيل فى كونها دولة فوق القانون أن بند التدمير الذى قامت به فى غزة غير مطروح كقضية من المفترض أن تدفع عنها تعويضات على غرار ما جرى فى أزمات أخرى عالمية. اللافت للنظر أن تصريحات جوتيريش ذاتها لم تحظ بالاهتمام الكافى فى وسائل الإعلام الدولية بما فيها العربية ما يشير إلى حجم التعتيم على المواقف المنددة بسياسات إسرائيل.
ليس معنى ذلك التعويل كثيرًا على تصريحات جوتيريش فى تحقيق تحول فى مسار الأوضاع فى غزة، حيث إن التطورات الدولية وخاصة فى مرحلة ما بعد ترامب تكاد أن تقضى تمامًا على البقية الباقية من مقدرات وفاعلية مؤسسات التنظيم الدولى. غير أن ذلك لا يعنى أنه لا يجب البناء على ما طرحه جوتيريش، إذا كان هناك شعور لدى الدول العربية بحق بأن القضية الفلسطينية ما زالت تمثل امتدادًا لها ولم تعد قضية تخص الفلسطينيين وحدهم.
أهمية تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة أنها تؤكد أنه ما زال هناك فى العالم من يؤمن بعدالة الموقف الفلسطينى وضرورة تجريم ما تقوم به إسرائيل، الأمر الذى يعززه تأكيد وزير الخارجية الفرنسى جان نويل بارو والذى ترأست بلاده جلسة مجلس الأمن المشار إليها على أنه فى مواجهة الحقائق على الأرض لا بد من حماية احتمال قيام دولة فلسطينية. وهؤلاء فى أى الأحوال لن يكونوا ملكيين أكثر من الملك، وهو ما يعنى تخلى القيادات العربية عن صمتها على مساعى تل أبيب ابتلاع المتبقى من أرض فلسطين، وتطوير بعضها لموقفها الهادئ الذى يأتى على استحياء وللاستهلاك المحلى.. وقتها فقط يمكن أن نأمل فى نيل الفلسطينيين حقوقهم!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض