رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

إحياءً للذكرى الستين لأزمة السويس، وخلال فعالية استضافها مركز أبحاث الاستراتيجية والسياسات الدفاعية التابع لقسم دراسات الدفاع في كلية القيادة والأركان المشتركة بأكاديمية الدفاع البريطانية في شريفنهام، ويلتشير، نشرت البروفيسورة "كيت أوتينج"، رئيسة قسم الدراسات الدفاعية ومديرة الدراسات الأكاديمية في الكلية الملكية للدراسات الدفاعية بلندن، في نوفمبر 2016، دراسة تاريخية هامة بعنوان: "أهمية السويس 1956: هل كانت نقطة مرجعية أم نقطة تحول؟."

تقول أوتينج، أن أزمة السويس رغم مرور ستة عقود، فهي لاتزال تُستخدم كاختصارٍ لكل ما هو "خاطئ" في السياسة الخارجية البريطانية وصنع القرار. يُقال إنها اللحظة التي انتهت فيها مكانة بريطانيا وسمعتها كقوة عالمية، ومعها تراجعت قوتها الأخلاقية وهيبتها، وهي المثال الأبرز على غدر ألبيون"Albion's perfidy" وهو مصطلح تاريخي وسياسي يحمل دلالة سلبية قوية، ويشير إلى الخيانة أو الغدر أو عدم الأمانة المنسوبة إلى بريطانيا (التي يُشار إليها تقليديًا باسم ألبيون) في علاقاتها الدولية.

في السادس والعشرين من يوليو عام 1956، وعلى وقع إعلان مصر تأميم قناة السويس، سارع رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، أنتوني إيدن، بالتصريح الشهير: 'لن نسمح لمصر بالسيطرة على قصبتنا الهوائية'. تبع ذلك تحركات بريطانية سرية للتحضير للقوة العسكرية، بل وتواطؤ مع إسرائيل وفرنسا بهدف إيجاد ذريعة للتدخل، وهو ما أفضى إلى توقيع 'بروتوكول سيفرز' في الثاني والعشرين من أكتوبر. لكن العملية العسكرية انتهت فجأةً مع دعوة الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار في الثاني من نوفمبر.

توضح أوتينج أن أزمة السويس خلفت آثارًا اقتصادية وخيمة على بريطانيا، تجلت في هبوط حاد للجنيه الإسترليني وتراجع مفاجئ في مخزون الذهب. وتحت وطأة الحاجة الماسة للدعم المالي وإمكانية اللجوء لصندوق النقد الدولي، والانقسام الحاد في الرأي العام والاستقالات الوزارية، اضطرت بريطانيا للانصياع لمطلب الجمعية العامة للأمم المتحدة بوقف القتال وإنهاء العمليات العسكرية، معترفة بخطئها في تقدير التوازنات الدولية. وقد كشفت الأزمة بوضوح عن تضاؤل النفوذ البريطاني عالميًا.

تشير أوتينج إلى ما ذهبت إليه مارجريت تاتشر، التي اعتبرت أن أزمة السويس شكلت منعطفًا حاسمًا ونقطة مرجعية في تاريخ بريطانيا. فقد رأت تاتشر أن تأثير الأزمة على صياغة السياسة البريطانية اللاحقة، والمعروف بـ 'متلازمة السويس'، كان له انعكاسات سلبية، قائلة: 'لقد انتقلنا من المبالغة في تقدير قوتنا إلى المبالغة في تقدير عجزنا'. وفي ختام دراستها، خلصت أوتينج إلى أن أزمة السويس، سواء كانت نقطة تحول جذرية أو مرجعية تاريخية، عمقت من عدم استعداد بريطانيا للدفاع عن مصالحها وكشفت عن التناقض بين أهدافها وإمكانياتها. وبذلك، تؤكد أوتينج على صواب مقولة السير أنتوني نوتينج بأن الأهمية الدائمة لأزمة السويس تكمن في دروسها التي لا تنتهي.

باختصار، إذا كان مصطلح "متلازمة السويس قد وُضع للدلالة على الآثار السلبية المستمرة لأزمة السويس على تفكير بريطانيا في سياستها الخارجية وصنع القرار، فإن دروس هذه الأزمة تمتد لتشمل حاضرنا. إنها دعوة للتأمل في تغريدات المساومة ودعوات التهديد بالقوة. فصدى القنابل وضجيج الدبابات ومشاهد الدمار والموت، تستدعي وقفة للتفكير العميق في عدالة الأهداف وشرعية المطالبات ولغة الصفقات وعواقب طلقات الرصاص. وكما قال ويليام شكسبير في مسرحية هنري الرابع: 'لأجل ضمائرنا، إن الأسلحة تكون عادلة، إذا كانت نية حملها عادلة.