تأملاتٌ
حسنًا نفعلُ بأنْ نحتفلَ كلَّ عامٍ بذكرى تحريرِ سيناءَ من الاحتلالِ الإسرائيليِّ، ففى ذلكَ مزيدٌ من سبلِ ربطِ ذلكَ الإقليمِ بالوطنِ الأمِّ نفسيًا وعضويًا بما يتمُّ على أرضِ الواقعِ من مشروعاتٍ، غيرَ أنَّ الأفضلَ أنْ نطورَ صيغةَ هذا الاحتفالِ لتصبحَ سيناءُ بالفعلِ جزءًا من الوطنِ دونَ خوفٍ من ضياعٍ واقتطاعٍ مرةً ثانيةً. فرغمَ عودةِ سيناءَ إلى أحضانِ الوطنِ منذُ نحو 45 عامًا إلاَّ أنَّ المشكلةَ أنَّ هناكَ شعورٌ عامٌّ بأنها عرضةٌ للضياعِ من جديدٍ. ليسَ ذلكَ لضعفٍ فى قدراتِ الوطنِ لا سمحَ اللهُ ولكنْ بسببِ أطماعِ العدوِّ التى يوجدُ يقينٌ لدينا بأنَّهُ لم يتخلَّ عن أحلامِهِ بإعادةِ الاستيلاءِ عليها.
لا نريدُ أنْ نكررَ ما قلناهُ وقالَهُ كثيرونَ على مدارِ أعوامٍ بشأنِ تعميرِ سيناءَ وتحويلها إلى بقعةٍ عاديةٍ مثلَ أيِّ بقعةٍ من بقاعِ مصرَ، ولكنْ ما يجبُ التأكيدُ عليهِ هو جعلُ المطمعِ فى أرضِ سيناءَ كأنهُ أضغاثُ أحلامٍ، أنْ يوقنَ منْ يساورُهُ مثلَ هذا الأمرِ بأنَّهُ حالَ محاولةِ الإقدامِ على هذا الحالِ سيكونُ قدْ وهَى ظهرَهُ وانقصمَ. تخيلْ مثلًا بمفهومِ المخالفةِ أنْ يكونَ لمصرَ أطماعٌ فى احتلالِ تلِّ أبيبَ التى هيَ أصلًا أرضٌ فلسطينيةٌ، كيفَ سيكونُ ردُّ إسرائيلَ؟ ولذلكَ يجبُ قطعُ الحديثِ عن الأطماعِ فى سيناءَ من جذورِهِ وأنْ يتمَّ إلغاءُ هذا الأمرِ والمطمعِ من قاموسِ اللغةِ.
صحيحٌ أنَّ سيناءَ التى تمثلُ جبهةَ مصرَ الشرقيةَ ستظلُّ مصدرًا للتحدياتِ ولكنَّ الأمرَ يجبُ أنْ يقفَ عندَ هذا الحدِّ، ولذلكَ فإنَّ المرءَ الذى يشعرُ بقيمةِ الوطنِ لا بدَّ أنْ تنتابَهُ حالةٌ من الدهشةِ على حديثِ الأطماعِ ذاكَ، رغمَ أنهُ ليسَ من وحيِ الخيالِ وإنما أمرٌ عبرَ عنهُ قادةُ إسرائيلَ أنفسُهم فى مناسباتٍ كثيرةٍ وما زالوا على خلفيةِ خططِ تهجيرِ أهالى غزةَ وتفريغِها من سكانِها حيثُ تبرزُ سيناءُ كمقرٍّ أساسيٍّ لهذا المخططِ.
مواجهةُ هذا المخططِ أمرٌ لن يتمَّ إلا بالقضاءِ على عزلةِ سيناءَ عن أرضِ الوطنِ.. أنْ تعودَ إلى الوضعِ الذى كانتْ عليهِ قبلَ إنشاءِ قناةِ السويسِ، حيثُ كانتْ متصلةً بباقى أرضِ مصرَ حتى معَ وجودِ القناةِ، حيثُ كانتِ القبائلُ كما أشارَ اللواءُ محمد الغبارى فى حديثٍ تليفزيونيٍّ مؤخرًا تنتقلُ بحريةٍ دونَ قيودٍ معَ كاملِ الأرضِ المصريةِ.
وإذا كانَ الإنجليزُ أغلقوا سيناءَ خلالَ فترةِ الاحتلالِ فقدْ يبدو من الغريبِ ما أشارَ إليهِ اللواءُ الغبارى من أنَّ الوضعَ استقرَّ على أنهُ لا يتمُّ دخولُها إلا بتصريحٍ خاصٍّ حتى عامِ 1967، حيثُ كانَ منْ يرغبُ فى زيارةِ سيناءَ يُفرضُ عليهِ الحصولُ على إذنٍ خاصٍّ. صحيحٌ أنَّ الموقفَ تغيرَ كثيرًا وأصبحتِ المسافةُ إلى سيناءَ مثلَ «فركةِ الكعبِ » وتعددتْ وسائلُ الوصولِ إليها خاصةً من خلالِ الأنفاقِ الجديدةِ لكنَّ كلَّ ذلكَ لم يقضِ على فكرةِ العزلةِ النفسيةِ لسيناءَ عن أرضِ الوطنِ.
وعلى ذلكَ فإنَّ مطلبَ تنميةِ سيناءَ ليسَ فقطْ مجردَ مطلبٍ يتعلقُ بما يمكنُ أنْ تمثلَهُ هذهِ الخطوةُ على صعيدِ الازدهارِ القوميِّ ولكنْ لتكونَ كحائطِ صدٍّ أمامَ أيِّ تفكيرٍ عدوانيٍّ وليكونَ ذلكَ بمثابةِ إغلاقٍ لفكرةِ الطمعِ بسيناءَ. وإذا كانَ اللواءُ الغبارى أشارَ إلى أنَّ إسرائيلَ لديها مطامعُ توسعيةٌ تشملُ شمالَ سيناءَ والعريشَ تحديدًا، معتبرةً إياها جزءًا ما يسمى «خريطةَ داودَ» التى تمتدُّ من العريشِ حتى نهرِ الفراتِ، فإنَّ تلكَ التنميةَ ستمثلُ إجهاضًا لذلكَ النوعِ من التفكيرِ، وإنْ كانَ الوصولُ إلى تلكَ التنميةِ يظلُّ موضعَ السؤالِ.. ما الذى يعوقُ أنْ تتحولَ سيناءُ بعدَ عقودٍ من عودتِها إلى أرضِ الوطنِ حائطَ صدٍّ بشريٍّ أمامَ أيِّ أطماعٍ خارجيةٍ؟ السؤالُ مطروحٌ، وأظنُّ أنَّ الإجابةَ عليهِ تبدو مُلحةً. فهلْ منْ مُجيبٍ؟
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض