يبدو أنَّ جهازَ التلفزيونِ في عالمِنا العربيِّ قد قررَ أنْ يتقاعدَ جزئيًا عن أداءِ دورِهِ البصريِّ، مكتفيًا بكونِهِ راديو مزودًا بشاشةٍ لا تعرضُ إلَّا صورًا ثابتةً للمُقدِّمينَ والضيوفِ، في مشهدٍ باتَ مألوفًا في برامجِ التوكِ شو التي تحتلُّ معظمَ ساعاتِ البثِّ المسائيِّ.. معَ أنَّهُ من المفترضِ أنَّ التلفزيونَ وُجدَ ليُقدِّمَ المعلومةَ بالصوتِ والصورةِ، فيجمعُ بينَ التأثيرِ السمعيِّ والبصريِّ، وينقلُ الواقعَ بمصداقيةٍ وحيويةٍ.. لكنَّ الواقعَ الذي عكسَ ذلكَ تمامًا.
الغريبُ أنَّ الكاميراتِ التي يُفترضُ أنْ تجوبَ الميادينَ والمشروعاتِ والقرى والمدنَ لنقلِ صورةٍ حقيقيةٍ لما يُنجزُ أو حتى لما يُهملُ، لا تتحركُ إلَّا عندَ زيارةِ أحدِ المسؤولينَ، وهنا لا تكونُ المهمةُ توثيقَ المشروعِ أو استعراضَ أثرِهِ على الناسِ، بل يتجهُ تركيزُ العدسةِ على خطواتِ المسؤولِ، حديثِهِ وردودَ فعلِ مرافقيهِ.. وكأننا في تغطيةٍ دعائيةٍ لحملةٍ انتخابيةٍ.
كمْ منَ المشروعاتِ يُعلنُ عنها في تصريحاتٍ مقتضبةٍ، دونَ أنْ يرى المواطنُ مراحلَها، أو يعرفَ تفاصيلَ تنفيذِها!
وكمْ منَ المبادراتِ تُطرحُ دونَ تغطيةٍ ميدانيةٍ جادةٍ تظهرُ أثرَها على الأرضِ! بلْ إنَّ بعضَ التقاريرِ المصورةِ تأتي مُعلبةً، وكأنها صُممتْ لتُقالَ لا لتُرَى.
إذا كانَ التلفزيونُ أداةَ توعيةٍ وبناءِ ووعيٍ، فلماذا يُصرُّ القائمونَ عليهِ أنْ يكونَ مجردَ خلفيةٍ صوتيةٍ في منازلِنا، لا فرقَ بينَها وبينَ الراديو!
الإعلامُ الناجحُ لا يختبئُ خلفَ المكاتبِ بلْ يذهبُ إلى حيثُ الحقيقةُ، بالكاميرا والصوتِ والناسِ، وهذا ما نفتقدهُ اليومَ.. في ظلِّ قلةِ وعيٍ تحولَ إلى أداءٍ نمطيٍّ مملٍّ ويفقدُ هذا الاختراعُ ما يميزُهُ عن الراديو!
وفي المقابلِ؛؛؛
حينَ نُطالعُ أنماطَ التلفزيونِ في الخارجِ، نجدُ فرقًا واضحًا في فلسفةِ التناولِ الإعلاميِّ. فبرامجُ مثلَ 60 Minutes في الولاياتِ المتحدةِ أو Panorama في بريطانيا، لا تكتفي بالحوارِ داخلَ الأستوديو بل تذهبُ بالكاميرا إلى أرضِ الواقعِ، تُقابلُ الناسَ، تُحققُ وتوثقُ بالصوتِ والصورةِ.
حتى برامجُ التوكِ شو ذاتِ الطابعِ السياسيِّ، مثلَ The Daily Show أو Last Week Tonight، تعتمدُ بشكلٍ كبيرٍ على الموادِ المصورةِ، التقاريرِ الميدانيةِ، والفيديوهاتِ الأرشيفيةِ، لتقديمِ محتوىً مشوِّقٍ وفعالٍ من حيثُ التوثيقِ.
الفرقُ لا يكمنُ في الإمكانياتِ فقطْ! .. بلْ في احترامِ عقلِ المشاهدِ، والإيمانِ بأنَّ الصورةَ لا تقلُّ أهميةً عن الكلمةِ، بلْ قد تكونُ أكثرَ تعبيرًا منها.. وهذا هو ما نأملُ أنْ يعودَ إلى شاشاتِنا.
إعلامٌ لا يتحدثُ عن الناسِ.. بلْ يذهبُ إليهمْ، ويعرضُ ما يرونهُ ويسمعونهُ ويعيشونهُ كلَّ يومٍ.
