تحالف الكبار
بين الطموح الجامح والرؤية المثيرة للجدل، يقف إيمانويل ماكرون كأحد أكثر زعماء العالم إثارة للانقسام والإعجاب فى آنٍ واحد. فمع كل قرار، ينشأ جدل، ومع كل تحرك، يظهر تأثيره على الساحة الدولية. لا ينظر ماكرون إلى السياسة من زاوية تقليدية، بل يسعى باستمرار إلى إعادة صياغة المشهد العالمى، متحديًا فى ذلك العراقيل والأزمات التى تواجهها فرنسا والعالم. من أوكرانيا إلى أفريقيا، ومن التغير المناخى إلى مواجهة القوى الكبرى، يظل ماكرون شخصية محورية فى تشكيل مستقبل السياسة الدولية. فى هذا التقرير، نستعرض أبرز مواقفه التى أثارت الجدل، مدعومة بالأرقام والإحصائيات التى توضح مدى تأثيره على الساحة العالمية.
ففى عالمٍ تمزقه الحروب والمصالح، يظل ماكرون وجهًا لا يغيب عن المشهد الدولي: لا يصمت حين يغيب الآخرون، ولا يتردد فى خوض المعارك، حتى وإن كان الثمن شعبيته أو موقع فرنسا. هو زعيمٌ يعرف أن التاريخ لا يكتبه المتفرجون... بل من يشعلون المعارك.
< غزة فى قلب باريس
إيمانويل ماكرون أبدى مرارًا قلقه العميق من الوضع الإنسانى فى غزة، وخاصة فى ما يتعلق بالتهجير القسرى للمدنيين الفلسطينيين. موقفه فى هذا الصدد يتسم بالتركيز على حقوق الإنسان والحفاظ على الوضع الإنسانى بعيدًا عن التصعيد العسكرى. فيما يلى أبرز ملامح مواقف ماكرون من غزة والتهجير:
< إدانة التهجير القسري: ماكرون كان من بين القادة الذين أعربوا عن قلقهم الشديد من عمليات التهجير القسرى للفلسطينيين، سواء فى القدس الشرقية أو فى غزة. فى أكثر من مناسبة، دعا إلى وقف كافة السياسات التى قد تؤدى إلى تهجير الفلسطينيين من أراضيهم، مشيرًا إلى أن ذلك يمثل انتهاكًا للقانون الدولى وحقوق الإنسان والذى كان مقدما كمقترح من جانب الرئيس الأمريكي
< القلق بشأن الأوضاع الإنسانية: خلال فترات التصعيد العسكرى فى غزة، خاصة خلال الحروب الأخيرة بين إسرائيل وحماس، أبدى ماكرون قلقه بشأن الوضع الإنسانى المتدهور فى القطاع. دعا إلى إرسال مساعدات إنسانية عاجلة إلى غزة، بالإضافة إلى المطالبة بفتح ممرات إنسانية تسمح بوصول الإمدادات الأساسية مثل الغذاء والدواء.
< دعوة لوقف الهجمات على المدنيين: ماكرون كان من بين القادة الذين طالبوا بوقف الهجمات على المدنيين فى غزة بشكل فورى. وفى تصعيدات عسكرية مثل تلك التى وقعت فى مايو 2021، شدد على ضرورة أن تلتزم جميع الأطراف بالقانون الدولى الإنسانى، الذى يحظر استهداف المدنيين. كما طالب بإنهاء الهجمات على المنشآت المدنية، مثل المدارس والمستشفيات.
< التأكيد على حل الدولتين: فى رده على الوضع فى غزة والتهجير، أكد ماكرون على موقفه الثابت الداعم لحل الدولتين كحل وحيد قابل للاستمرار. وهو يعتقد أن ضمان حقوق الفلسطينيين، بما فى ذلك حقهم فى العودة والتملك، هو أساس أى تسوية سياسية طويلة الأمد. لذلك، يرى ماكرون أن الضغط على إسرائيل لوقف التهجير القسرى واستمرار بناء المستوطنات هو جزء من الوصول إلى هذا الحل.
< العمل من خلال الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي: فى مواجهة الأزمات الإنسانية المستمرة فى غزة، أبدى ماكرون التزامًا بالعمل ضمن إطار الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبى لدعم المواقف الداعية إلى إنهاء التهجير والتصعيد. وقد شهدت فرنسا تحركات دبلوماسية، مثل المبادرات الأممية التى تدعو إلى تحقيق وقف فورى لإطلاق النار وضمان حماية المدنيين فى غزة.
يظل موقف ماكرون من غزة والتهجير يركز على حماية حقوق الإنسان، وإنهاء العنف، وتحقيق حل سياسى دائم فى إطار حل الدولتين. هو يتجنب اتخاذ مواقف متشددة قد تؤدى إلى تفاقم الأزمة، بينما يسعى إلى إيجاد حلول سلمية تضمن العدالة للفلسطينيين وتلبى احتياجات الأمن والسلام لإسرائيل.
< أوكرانيا – ماكرون بين الدبلوماسية والتصعيد
فى واحدة من أعقد أزمات القرن، تبنى ماكرون موقفًا مزدوجًا بين الوساطة والضغط.
دعا فى أبريل 2025 إلى «إجراءات قوية» ضد روسيا بعد مقتل 20 مدنيًا (بينهم 9 أطفال) فى كريفى ريه، مسقط رأس زيلينسكى.
زار كييف 3 مرات منذ بداية الحرب، وكان أول رئيس غربى يقترح «ضمانات أمنية لروسيا» بعد الحرب، مما أثار جدلًا واسعًا.
دعمه العسكرى لأوكرانيا بلغ نحو 2.6 مليار يورو حتى مارس 2025.
< الرسوم الجمركية – مواجهة اقتصادية مع واشنطن
حين فرض ترامب تعريفات جمركية شاملة بنسبة 20% على المنتجات الأوروبية، لم يتردد ماكرون فى الرد:
دعا الشركات الأوروبية الكبرى لتجميد استثماراتها فى السوق الأمريكية.
وصف السياسة الأمريكية بأنها «ضربة للعولمة العادلة»، وطالب برد جماعى أوروبى.
قاد مشاورات مع 9 دول أوروبية لإطلاق حزمة تحفيز صناعى بقيمة 70 مليار يورو لحماية الاقتصاد الأوروبى.
< أوروبا – زعيم بلا حلفاء؟
ماكرون طرح رؤى طموحة لأوروبا، لكنه اصطدم كثيرًا بالحذر الألمانى والتباين الأوروبي:
فى خطابه بجامعة السوربون 2024، قال إن «أوروبا قد تموت» ما لم تتبنَّ نموذجًا جديدًا للسيادة.
اقترح إنشاء جيش أوروبى مشترك، وهو ما رفضته 6 دول من أصل 27 فى الاتحاد الأوروبى.
ارتفعت شعبية خطابه الأوروبى فى فرنسا بنسبة 22%، لكن تراجعت خارجها، خاصة فى شرق أوروبا.
< علاقة مصرية فرنسية مميزة
العلاقة بين مصر وفرنسا تتمتع بتاريخ طويل من التعاون المشترك فى مختلف المجالات، وتُعتبر هذه العلاقات فى الوقت الراهن قوية ومتنوعة. تتمحور العلاقة حول التعاون الاقتصادى، الأمنى، العسكرى، الثقافى، والتجارى. وقد تطورت العلاقات بين الرئيسين عبد الفتاح السيسى وإيمانويل ماكرون بشكل ملحوظ منذ تولى ماكرون الرئاسة فى 2017.
إيمانويل ماكرون قام بأربع زيارات رسمية إلى مصر. آخر زيارة كانت فى أبريل 2025، حيث وصل إلى القاهرة مساء يوم الأحد 6 أبريل 2025، واستمرت لمدة ثلاثة أيام.
أما الزيارات السابقة فتتضمن:
فبراير 2017: حيث التقى بالرئيس عبدالفتاح السيسى لتعزيز التعاون الثنائى.
ديسمبر 2019: تم خلالها توقيع اتفاقيات فى مجالات الثقافة والتعليم.
مايو 2021: حيث بحث الجانبان سبل تعزيز التعاون الاقتصادى والتجارى.
أبرز مجالات التعاون بين مصر وفرنسا:
< التعاون الاقتصادى والتجاري:
فرنسا تُعد واحدة من أهم الشركاء التجاريين لمصر فى الاتحاد الأوروبى.
فى 2020، بلغ حجم التجارة بين البلدين حوالى 2.5 مليار يورو.
تتعاون فرنسا ومصر فى مشاريع ضخمة فى الطاقة والبنية التحتية، مع اهتمام كبير بقطاع الطاقة المتجددة والمشاريع الصناعية.
< التعاون العسكرى والأمني:
توفر فرنسا لمصر معدات عسكرية متقدمة، مثل طائرات رافال وغواصات.
التعاون فى مجال مكافحة الإرهاب والأمن الإقليمى يعد من أبرز محاور العلاقة، حيث تدعم فرنسا جهود مصر فى محاربة الجماعات الإرهابية فى منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط.
< التعاون الثقافى والعلمي:
تتمتع مصر وفرنسا بعلاقات ثقافية غنية، حيث يدعم البلدان التبادل الثقافى والفنى من خلال المؤسسات الثقافية مثل المعهد الفرنسى فى مصر.
هناك أيضًا مشاريع مشتركة فى مجال التعليم والبحث العلمى.
العلاقة بين السيسى وماكرون:
< اللقاءات الرسمية:
اللقاءات بين السيسى وماكرون شهدت تقاربًا كبيرًا بين البلدين. كانت زيارة ماكرون الأولى لمصر فى فبراير 2017، حيث استعرضا سبل تعزيز التعاون فى المجالات الاقتصادية والعسكرية.
فى ديسمبر 2019، كان هناك لقاء آخر لبحث سبل تعزيز التعاون فى مجالات الطاقة، التجارة، والعلوم.
فى مايو 2021، تم عقد لقاء آخر ركز على تعزيز العلاقات الاقتصادية ودعم فرنسا لمصر فى مواجهة التحديات الإقليمية.
< التعاون فى القضايا الإقليمية والدولية:
تناول السيسى وماكرون عددًا من القضايا الإقليمية والدولية، مثل الأزمة الليبية، حيث تعاونا لضمان الاستقرار فى ليبيا ومكافحة الإرهاب.
فى الأزمة السورية، أبدى الرئيسان توافقًا حول ضرورة إيجاد حل سياسى للأزمة.
تعاونا أيضًا فى قضية التهديدات الأمنية فى منطقة الساحل الأفريقى، وكان هناك دعم متبادل فى الحفاظ على استقرار المنطقة.
< التعاون فى مواجهة التغير المناخي:
فى 2021، شاركت مصر فى مؤتمر COP26 للمناخ فى غلاسكو، حيث كان هناك تنسيق بين السيسى وماكرون حول قضايا التغير المناخى والالتزام بالمبادرات البيئية. كما تعهدت فرنسا بدعم مصر فى هذا المجال.
< الإعلام والسياسة
فى بعض الأحيان، كانت هناك بعض الاختلافات فى الآراء بين السيسى وماكرون، خاصة حول قضايا حقوق الإنسان فى مصر. فقد عبّر ماكرون فى مناسبات متعددة عن قلقه بشأن حقوق الإنسان فى مصر، لكن ذلك لم يؤثر بشكل كبير على العلاقة الثنائية، حيث أن كلا الرئيسين كانا ملتزمين بتعزيز التعاون الاستراتيجى بين البلدين.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض