رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

ذو العَقلِ يَشقى فى النَعيمِ بِعَقلِهِ / وَأَخو الجَهالَةِ فى الشَقاوَةِ يَنعَمُ (المتنبي)

«أضعف جميع العواطف البشرية هو حب الحقيقة» (أ.إ. هاوسمان)

فى عالمنا المعاصر، يبدو أن هناك اتجاهًا متزايدًا نحو الرغبة فى الجهل، وهو اتجاه يمكن أن يكون أكثر إغراءً مما نتخيل. هذا ما يطرحه مارك ليلا Mark Lilla فى كتابه Ignorance and Bliss: On to Know (2024) Not Wanting (الجهل والنعيم: عن الرغبة فى عدم المعرفة)، الذى يناقش فيه كيف أن الإنسان، رغم ميله الطبيعى إلى السعى وراء المعرفة، قد ينقلب أحيانًا ليختار الجهل، خاصة فى الفترات التى تصبح فيها الحقائق المزعجة ثقيلة على النفوس.

يبدأ ليلا بتقديم قصة رمزية لرجل كان يعيش فى كهف، مكبلًا، لا يعرف ما الذى يجرى حوله. وعندما أتت امرأة الى الكهف وحررته من قيوده، اكتشف عالمًا جديدًا وأضاءت الشمس الطريق أمامه. لكن سرعان ما بدأ يشعر بالارتباك من هذا النور الذى كان ساطعًا لدرجة أنه كاد يعميه. حين عادت المرأة التى حررته وسألته إن كان مستعدًا لإخراج شخص آخر من الكهف، تردّد فى البداية لكنه قرر أن يصطحب صبيًا كان يعيش معه فى الداخل. لكن مع مرور الوقت، تغيّر رأيه، وقرر أن يذهب بمفرده، متجاهلًا معاناة الصبى.

يبدأ الصبى بالبكاء وهو يناشد الرجل ألا يتركه فى الكهف. يحرره الرجل من ظلمة الكهف ويروى الصبى كيف أن العالم الجديد الذى اكتشفه لم يلبِ احتياجاته وكيف أن الضوء الساطع كان يكشف كل شيء لكنه لا يدفئه، ومع فقدان الظلال، شعر بالعزلة والوحدة. فى النهاية، يعترف الصبى بأنه يفضل العودة إلى الجهل، حيث كان هناك ظلام، لكنه كان يشعر بالأمل فى عالم الأحلام والأوهام.

ليلا يستخدم هذه القصة ليعرض فكرة أن البشر ليسوا دائمًا فى حاجة إلى الحقيقة، بل فى بعض الأحيان يفضلون عدم المعرفة، بل ربما يكرهون الحقيقة لأنها تفضى أحيانا الى الألم والخيبة.

الكتاب يناقش أيضًا لماذا يفضل بعض الناس العيش فى الجهل. فعلى الرغم من أن الناس فُطروا على حب الاستكشاف والبحث عن الحقيقة، هناك فترات تاريخية -مثل التى نعيش فيها الآن- حيث يظهر فيها تزايد الظاهرة المتمثلة فى إنكار الحقائق. فالجماهير تتبع بسهولة دعاة مزيفين، والشائعات تنمو وتنتشر بسرعة، والناس يفضلون البقاء فى دوائرهم المريحة بدلاً من مواجهة الواقع.

يقول أرسطو إن البشر بطبعهم يحبون المعرفة، لكن الحياة تقدم لنا أوقاتًا نرغب فيها فى الهروب من هذه المعرفة. قد يكون ذلك بسبب الرغبة فى التهرب من الحقائق المزعجة، سواء كانت عن أنفسنا أو عن العالم الذى نعيش فيه. وبالتالى، يميل البعض إلى تجنب الحقائق، إذ يصبح الجهل فى بعض الأحيان مصدرًا للأمان وراحة البال.