شأن هذه الأمة مع مساجدها عجيب غريب، إذ أوتيت من جملة ما أوتيته خصيصة» وجعلت لى الأرض مسجدًا وطهورًا» (متفق عليه) والمقصود مجموع الأمرين، كما نفهم من قوله صلى الله عليه وسلم.
هذه الأمة التى انفسحت لها الأرض كلها تتخذها مسجدًا وطهورًا فى كل بقعة وكل زمن، ظلت أمدًا طويلًا فى بداية الرسالة لا تعرف لها مكانًا تجهر فيه بعبادتها أو تعلن فيه مناسكها، ويوم أن يخطر بباله صلى الله عليه وسلم أن يصلى إلى جوار الكعبة يناله ما يناله من إيذاء لم تتوار أنباؤه أو تختفى أصداؤه.
وكان مجرد اللقاء مع أصحابه صلى الله عليه وسلم يستدعى الحيطة لهم دفعًا للإيذاء عنهم، وكان اللقاء فى دار الأرقم وسيلة من وسائل هذه الحيطة لأمرين:
< الأول: حداثة سنه، إذ كان دون العشرين من عمره، والوجاهة يومئذ معقودة بنواصى كبار السن، حتى أنهم لم يكونوا يدخلون دار الندوة شبابًا إلا بعد تجاوز أسنان معينة.
وربما كان الاستثناء فى هذا الأمر مختصًا برسول الله قبل رسالته، فاختيار دار الأرقم مع حداثة سنه كانت تمويهًا.
< الأمر الثاني: هو أن الأرقم كان من بنى أمية وبينها وبين بنى هاشم من التنافس على الشرف فى ذلك الوقت ما أنت به خبير، فلم يخطر ببال أحدهم أن ينحاز رسول الله إلى ذلك المكان، ظنًا منهم أن أفعال العصبية القبلية لا تزال سارية، وما دروا أنه لم تكن لتغلبه على نفسه ولا على تصرفه أخلاق الجاهلية وأفعالها.
لم يكن الناس فى هذا التوقيت يعرفون لأنفسهم مسجدًا مستقلا، نعم كانوا يعرفون المسجد الحرام، لكن لا يجرؤ أحدهم على إعلان شعائر الإسلام فيه، حتى فى المرة التى جهر فيها ابن مسعود هناك ناله من عدوانهم ما ناله على نحو ما اشتهرت تفاصيله وأفاعيله.
مضت ثلاث عشرة سنة والناس تتحرق شوقًا لمسجد يتعبدون فيه ويجتمعون به، حتى كانت الهجرة النبوية الشريفة فبادر النبى بعدها مباشرة، بل قبل الاستقرار التام بالمدينة على ساكنها ومنورها الصلاة والسلام، بادر إلى بناء مسجدين فى أيامه الأولى هناك«مسجد قباء، والمسجد النبوى الشريف».
ولم ينتقل إلى جوار ربه إلا والمدينة المنورة بها عشرة مساجد، والمسجد الحرام الذى خشى الناس التعبد فيه قبل الهجرة هو بعينه المسجد الذى صار محل أمن للجميع بعد الهجرة، كما جاء فى الإعلان النبوى لا الجهير، «ومن دخل المسجد فهو آمن» (سنن أبى داود).
واتخذت المساجد أحكامًا كثيرة وفضائل عظيمة، ففى كل ما يتصل بها مما يخطر ببالك من تصورات تكلفت ببيانها كتب الفقه بيانًا مفصلًا لا يغادر شاردة ولا واردة تتصل بالمساجد إلا أحصتها.
وظلت العقول اللامعة والمبدعة فى هذه الأمة تستخرج من نصوص مصادر التشريع الإسلامى ما يدهش فيما يتصل بالمساجد، غير أن النقص أدركهم وأدرك كتاباتهم فى ناحية من النواحى ألا وهى: (عمران المساجد أو معمارها). والواقع يشهد بذلك، وامتد الزمان وخلت الكتب على كثرتها من حديث فى هذا الشأن حتى جاء كتب (وصف مصر) فعنى من جملة ما عنى به تسجيل المبانى الأثرية فى مصر، وكذلك فعل الإنجيلز فى وصف الهند فى الفترة نفسها، وكان جملة ما وقع عليه الوصف (المساجد) فانتبه الناس إلى التصنيف فى هذا الجانب الذى أدركه الفراغ، فجاء بعد ذلك مثلًا كتاب(المساجد) الذى ألف بأمر من الملك فؤاد الأول وهو مطبوع فى مجلدين كبيرين، وجاء مثلًا كتاب د. سعاد ماهر «مساجد مصر وأوليائها الصالحون» وغير ذلك من الكتب التى ملأت جانبًا من هذا الفراغ، ويمكن وصف هذه الكتب على روعتها ودسامتها بأنها كانت تغطى مساحات جغرافية محددة بحدود مؤلفيها الإقليمية بخلاف كتاب المساجد للدكتور حسين مؤنس رحمه الله الذى اتسع فى التوصيف والنطاق، ما جعله من أهم الكتب فى مد ثغرات هذه الناحية العلمية، وتتابعت الكتب والمؤلفات تذكر طراز العمارة وما يميز طرازًا عن آخر وطورًا زمانيًا عن طور آخر.
الأمين العام للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية