رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

فى رسالته الشهيرة إلى الملك فرديناند الثانى والملكة إيزابيلا الأولى، كتب كريسوفر كولومبوس عن الأرض الجديدة التى اكتشفها سنة 1492» هذه هى الجنة على الأرض، لايُمكن لإنسان أن يتخيل جمالها». بمحض الصُدفة وصل المستشكف الطامح إلى أرض جديدة غنية بالذهب والمزارع الطبيعية والمعادن ليتغير تاريخ العالم. لم يكن أول الواصلين، وإنما سبقه كثُر لكن منطق التاريخ المدون بواسطة المنتصرين جعله لصيقا باكتشاف قارة أمريكا الشمالية حتى صار اسمه مُخلدا على اسم دولة هى كولومبيا، واسم واحدة من أكبر الولايات الأمريكية بالاسم ذاته كولومبيا.

ذكر المستكشف الإيطالى فى رسائله أن سُكان هذه الأرض الجديدة مسالمون، لا يعرفون فنون القتال، ويُمكن تسخيرهم للعمل فى خدمة موجات المهاجرين الوافدين من أوروبا بحثا عن فرص وأعمال وأموال. ورغم ذلك مارس المهاجرون جيلا خلف جيل حروب إبادة وحشية تجاه الهنود الحُمر واستعبدوهم واستولوا على أراضيهم طلبا للذهب.

فى 25 يونيو 1876 كانت هبة الغضب الأخيرة للسكان الأصليين لأمريكا حيث دارت معركة ليتل بيج هورن التى خاضها قائد أمريكى متغطرس اسمه جورج أرمسترونج كاستر فى مواجهة قبائل السيو والشايان. نشبت المعركة لأن الجيش الأمريكى طلب من قبائل الهنود الهجرة عن أراضيهم التى كان باطنها عامرا بالذهب، لكن شيوخ القبائل رفضوا وقرروا المقاومة. ورغم قلة العتاد وغرور المُعتدين فقد انتصر السكان الأصليون نصرًا مدويا، وتمكنوا من قتل جورج أرمسترونج كاستر نفسه وعدد كبير من رجاله.

ومع ذلك واصل الباحثون عن الذهب تجييش جيوشهم واعدادها لمذابح متفرقة وصولا إلى المذبحة الكبرى ضد السكان الأصليين والتى جرت قبل يومين من احتفالات رأس السنة فى 1891، ليتم تصفية كافة القادة وتبقى جالية ضئيلة جدا من الهنود الحمر تعيش فى الحدود بين أريزونا والمكسيك. وهؤلاء يعانون الآن التهميش والعزلة والفقر، بينما يعيش الغرباء الوافدون على مساحة تقترب من عشرة ملايين كيلو متر مربع، فى مكان حولوه إلى دولة، بل صارت أكبر الدول عتادا ومالا ونفوذا وهى الولايات المتحدة الأمريكية.

لا يُمكن فهم مخطط دونالد ترامب بعيدا عن هذه الخلفية التاريخية، التى تقوم فلسفتها على منح مَن لا يستحق ما هو مملوك لآخرين. قصة فلسطين وأهلها تتشابه كثيرا فى الذهنية الأمريكية مع حكاية الهنود الحمر وأرضهم التى استوطنوها وصمموا لها اسما وعلما ونشيدا قوميا.

لكن ثمة اختلافات واضحة بين القصتين لا يبصرها ترامب ومفكروه ومستشاروه، ففلسطين ليست أمريكا القديمة.لا جغرافيا ولا تاريخيا ولا ثقافيا. والفلسطينيون ليسوا هنودا حمر، بل هُم عقول متحضرة وأبية ومفكرة ومبدعة تُخرج كل يوم صناديد وأفذاذ وعباقرة.وهُم ليسوا مسالمين كما وصف كولمبوس أهل البلاد وليس لديهم استعداد للإذعان والخضوع، وُهم يفضلون الموت فى عزة عن الحياة فى هوان.

كذلك توجد فى فلسطين مُقدسات دينية تخص الأديان السماوية الثلاثة، اليهودية والمسيحية والإسلام، ومن المستحيل محوها من الوجود.

بخلاف ذلك، فإن الفلسطينيين ليسوا وحدهم فى مواجهة كريستوفر كولومبوس، وكاستر وترامب، فهناك شعوب وأمم عربية وغير عربية لم تعد تقبل الضيم عموما، ولديها قيم إنسانية تدفعها لمقاومة الغطرسة والتوحش، ولقد ساهم تقدم التكنولوجيا فى علانية المذابح وإمكانية توثيقها.

ثمة اختلاف آخر مهم وقوى ورئيسى بين القصتين، هو مصر التى تقف بما يليق لدورها التاريخى والحضارى فى صف الحق والعدل والحرية. وكما وقفت عقودا طويلة ضد الهيمنة والتصفية والأسرلة، تظل هى عامود الخيمة فى العالم العربى، ودونها لا عرب.

والله أعلم

 

[email protected]