إنها مصر! الأرض التي قيل عنها قديمًا إنها هبة النيل، فأبت إلا أن تكون هبة لأهلها، عصية على الطامعين، شامخة في وجه الغزاة، لا تعرف الاستسلام، ولا تقبل أن تكون رقعة شطرنج في يد المقامرين بمصائر الشعوب. واليوم، ونحن في قلب القرن الحادي والعشرين، نرى من جديد تلك الأيادي التي لطالما حاولت العبث بمصير المنطقة، تمتد لتعيد رسم الخرائط، وتحيك المؤامرات تحت عناوين شتى، من "صفقات القرن" إلى "مبادرات السلام"، وكلها تحمل في طياتها ذات الفكرة القديمة: كيف نُخرج الفلسطيني من أرضه، وكيف نجعل لمصر دورًا في استيعاب نتائج هذه المأساة؟
في دهاليز السياسة الدولية، حيث تُصاغ القرارات بعيدًا عن عيون الشعوب، تتحرك خيوط لعبة قديمة بوجوه جديدة. فترامب، رجل الأعمال الذي دخل السياسة كتاجر لا كقائد، لم يكن يرى في القضايا الكبرى سوى فرص لعقد الصفقات، ونتنياهو، السياسي المخضرم الذي يجيد استغلال اللحظات التاريخية، وجد في ذلك فرصة ذهبية لإعادة تشكيل المشهد لصالحه. أما الحديث عن تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، فقد عاد ليطفو على السطح، وإن بدا مستبعدًا في العلن، إلا أنه يظل حاضرًا في الكواليس، يلوّح به اللاعبون كفزاعة حينًا، وكمقترح جاد حينًا آخر. لكن مصر، التي واجهت عبر تاريخها الطويل محاولات الاختراق، تدرك جيدًا أن الأمن القومي لا يُباع ولا يُشترى، وأن أرض سيناء ليست سلعة في مزاد السياسة الدولية.
على مر العقود، لم تكن مصر مجرد دولة تتلقى الضغوط، بل كانت دائمًا لاعبًا قادرًا على قلب الطاولة حين يستدعي الأمر. وبينما يحاول البعض فرض خيارات غير مقبولة، يظل الموقف المصري ثابتًا، مستندًا إلى مبادئ واضحة: لا تفريط في الأرض، ولا قبول بحلول تأتي على حساب السيادة الوطنية أو الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني. وقد جاء موقف الرئيس عبد الفتاح السيسي واضحًا لا لبس فيه، حين أكد مرارًا أن مصر لن تقبل بأي محاولات لفرض واقع جديد على حساب حقوق الآخرين، وأن سيناء أرض مصرية مقدسة، لا يمكن أن تكون جزءًا من أي مخططات تهجير أو توطين قسري.
قد تُمارَس الضغوط، وقد تُطرح الإغراءات، لكن التاريخ يعلّمنا أن مصر، وإن تفاعلت مع المتغيرات، لا تسمح بأن يُفرض عليها ما يخالف جوهر كيانها. وحين يتحدث البعض عن سيناريوهات التهجير، فإنما يتناسون أن مصر ليست مجرد جغرافيا، بل هي تاريخ حي، وذاكرة لا تُمحى، وحكمة أمة لا تساوم على ثوابتها. ومثلما وقفت مصر عبر تاريخها أمام كل محاولات فرض الهيمنة، فإنها اليوم، تحت قيادة الرئيس السيسي، تعرف كيف تحمي أرضها وقرارها، وتظل كما كانت دائمًا... مصر التي تعرف كيف تقول "لا"، حين يكون "النعم" خيانة للحق والعدل.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض