كبسولة فلسفية
لا نجانب الصواب إذا قلنا إن قواعد اللغات الأوروبية قد انتشرت فى عصر النهضة الذى أسس للعلم اللغوي، حيث أصبحت اللغات المكتوبة للطبقات المتعلمة مركزى للدراسات النحوية، وقد وفرت العلاقة بين اللغات الرومانسية وبين اللاتينية ما كان ينقص العالم القديم دائمًا، وهو الإطار النظرى الصحيح للتعامل مع ظاهرة التغير اللغوي.
لذلك رأى «ديكارت» إن اللغة هى مدخل العلم، العلم الذى يتجاوز الأسلوب التقليدى للكلام، وهى لغة خالصة لا تختلط بلغة الحس، كما تتضمن فى ذاتها معيار يقينيه. كما يرى الباحثون أن التغير اللغوى يرجع إلى عوامل الاحتكاك والاختلاط اللغوي، وإلى التغيرات التدريجية المستقلة التى تحدث مع انتقال اللغة المنطوقة من جيل إلى جيل، ويمدنا ذلك بمعلومات مهمة عن المبدأ الاول الذى يجب إتباعه عندما نتعلم كيف نكتب الفلسفة فى مقابل تعلم التفكير فيها.
ولهذا نجد عزيزى القارئ أنه يجب على الفيلسوف – على عكس العلماء والمؤرخين – أن يتعلم من الشعراء كيفية استخدام اللغة باعتبارها وسيلة لاكتشاف عقله، وأن يبرز إلى النور ما فيه من غموض وريبة، وذلك إنما يتضمن مهارة استخدام المجاز والتشبيه والاستعداد لإيجاد معان جديدة لكلمات قديمة، والقدرة على اختراع الكلمات وعبارات جديدة.
كما عملت اللغة فى العصر الكلاسيكى على ربط الفكر بالتمثل دون الاتصال بالعالم، وهى مجموعة من الرموز التى تخضع للعلاقة بين الدال والمدلول، وهذه اللغة قادرة على توفير الرموز المناسبة لجميع التأملات والربط بينها، ويرى فوكو أن اللغة كانت واضحة فى شكلها الأصلى الذى منح الإله للبشر، فكانت تضرب بجذورها فى العلامات، ولكن وضوح علامات اللغة قد تبدد عندما انقسمت اللغات، واكتسبت معانى جديدة متعددة ووظائف رمزية.
أضف إلى ذلك صديقى القارئ، إذا كانت اللغة هى النسق المجرد الذى يقع وراء كلام الذات، فإن الكلام هو التحقق الفردى لهذا النسق أو الممارسة الفعلية له، ولئن كانت اللغة هى التى تحدد طبيعة الكلام، بل تحدد طبيعة كل ظاهرة فردية من ظواهره، إلا أن هذه اللغة – من حيث هى نسق – ليس لها وجود إلا فى تجلياتها التى يحققها الكلام. كما أنه يتشكل الإنسان من حيث هو «ذات» داخل اللغة، وعن طريق اللغة، إذًا هى وحدها التى تؤسس فى حقيقة الأمر مفهوم «الأنا» ضمن واقعها الذى هو واقع مجرد.
وفى الختام، لابد من وجود نزعة نحو الارتجال والإبداع للتعامل مع اللغة، ليس باعتبارها شيئًا ثابتًا أو صلبًا، بل باعتبارها مرنة طيعة، مفعمة بالحياة، وهو ما يتعارض مع طبيعة عمل الكوجيتو عند ديكارت.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض