لا أظن أن مصر أنجبت في تاريخها الحديث رجلا جمع بين شرف الفكرة وقوة الإيمان بمستقبل هذا الوطن مثلما جمع عبدالرزاق السنهوري باشا.
كلما استدعيت سيرته شعرت أننى أمام نموذج استثنائى لرجل لم يكتف بأن يكتب القانون، بل صاغ ضمير الأمة فى سطور، وترك لنا ما هو أبقى من المناصب وما هو أعمق من الشهرة، ترك لنا مدرسة فكرية كاملة أعلت من شأن الدولة العادلة، ورفعت من قيمة كلمة الحق، ووضعت الوطن قبل كل شيء.
والسنهوري بالنسبة لي ليس مجرد فقيه قانوني كبير، بل هو أحد أعمدة الروح المصرية حين تكون فى أبهى حالاتها: عارفة طريقها، ثابتة على قيمها، مصممة على أن تصنع لنفسها مكانا تحت الشمس رغم الصعاب.
ولد الرجل فقيرا يتيما، لكنه لم ينكسر، كأن الله قد أراد له أن يعرف منذ نعومة أظفاره أن العظمة لا تمنح جاهزة، وأن من يريد أن يخدم وطنا كالوطن المصري يجب أن يمر أولا على امتحان القسوة ليخرج منه أصلب من الحديد.
منذ صباه كان مشغولا بالمعرفة، يلتهم كتب التراث كما لو كان يعد نفسه لمعركة مقبلة، وكان يرى، بعين الناقد الحصيف، أن بناء الدولة يبدأ من بناء العقل، وأن مصر لن تقوم لها قائمة إلا إذا امتلك رجالها القدرة على أن يقرأوا تاريخهم ويواجهوا حاضرهم بعقل واع.
وحين دخل مدرسة الحقوق، لم يكن طالبا عاديا، بل كان مشروع قائد فى ثوب شاب نحيل يرسم لنفسه طريقا نحو التأثير الحقيقي، وحين سافر إلى فرنسا للحصول على الدكتوراه، اكتشف الغرب بعقل ناقد لا مجرد مبهور، ورأى أن الأمة التى لا تملك سواعد فكرية حرة لن تستطيع أن تقف فى وجه عالم ينهش الضعفاء بلا رحمة.
هناك، فى شوارع ليون ومكتباتها، تبلورت رؤيته عن ضرورة أن يكون لمصر قانون مدني حديث لا يقلد الغرب ولا ينكفئ على تراثه، بل يجمع بين روح الشريعة ومرونة التطور، وهو ما نجح فيه نجاحا مدهشا حين وضع القانون المدني المصري الذى نعيش فى ظلاله حتى اليوم.
لكن ما يجعل السنهوري مختلفا عن عشرات النوابغ الذين مروا بتاريخنا ليس أنه كتب قوانين، بل أنه كان يؤمن بقدسية الوطن إيمانا جارفا.
كان يرى منصبه تكليفا لا تشريفا، ويعمل بمنطق أن مصر فوق الجميع، وأن رجل الدولة الحقيقي هو الذى يحمى استقلال القضاء ويحفظ توازن السلطات، مهما كانت العواقب، لم يتردد يوما فى مواجهة السلطة حين رأى انحرافا، ولم يخش بطشا ولا تهديدا، وهذا وحده كاف ليجعله أحد رموز الكبرياء الوطني.
ولعل أكثر اللحظات ألما فى سيرته، وأشدها دلالة على معدن الرجل، هى حادثة الاعتداء عليه فى مارس 1954، لم يجر فى دمه الخوف قط، لكنه يومها أدرك أن المعركة بين رجل القانون ورجل السلطة غير متكافئة، وأنه سيدفع ثمن تمسكه بالعدالة.
ورغم ذلك خرج من تلك التجربة واقفا، نظيفا، شامخا، كأن جسده تلقى الضربات لكن روحه لم تمس، لم يترك البلاد، لم يساوم، لم يبع ضميره، بل اختار الصمت والاعتزال على أن يشارك فى رسم مستقبل لا يؤمن بأنه يقوم على قاعدة سليمة.
ما يؤلمنى حقا أن هذا الرجل الذى وضع دساتير لست دول عربية، والذى طوع القانون ليخدم الإنسان لا ليقيده، لم يجد فى وطنه من يقدر قدره حق التقدير فى حياته، ورغم ذلك، فإن مصر تعرف رجالها حق المعرفة، وإن تأخرت أحيانا فى تكريمهم.
السنهوري اليوم ليس مجرد اسم فى كتب القانون، بل هو مدرسة نستلهم منها أن الوطنية ليست هتافا فى الشوارع، بل إخلاصا فى العمل، وأن النهضة الحقيقية لا يصنعها الصوت العالى، بل يصنعها عالم يضىء الطريق بعقله، ورجل شريف يحمى الوطن بقلمه.
كلما نظرت إلى حال الأمة تمنيت لو عاد بيننا رجل بهذه الصلابة ومثل هذا الإيمان العميق بأن مصر تستحق الأفضل دائما، الرجل الذى كان يرى فى الشريعة الإسلامية مصدرا للعدل لا للتجمد، وفى القانون المدني وسيلة لنهضة المجتمع، وفى الدستور عقدا أخلاقيا بين الدولة وشعبها، السنهوري باق ما بقيت مصر تحلم بقضاء مستقل، ودولة قانون لا يعلو فيها أحد على الحق.
إن عبدالرزاق السنهوري لم يكن مجرد فقيه، بل كان ضميرا وطنيا نابضا، ورمزا لرؤية مصرية صافية تحلم بدولة قوية عادلة، وإذا كنا نريد أن ننهض بحق، فعلينا أن نستدعى روحه لا كتاريخ يقرأ، بل كمنهج يتبع.
ومن لم يتعلم من السنهوري معنى الشرف الوطنى فلا أظنه قد فهم معنى أن يكون الإنسان ابنا لهذه الأرض العظيمة التى لا تنجب إلا الكبار.
لقد رحل السنهوري باشا في يوليو 1971، لكن آثاره لم ترحل، وقوانينه لم تشخ، وأفكاره لم تمت، بقي الرجل يعيش في صمت مؤلفاته، وفي كلمات طلابه، وفي دستور هنا وقانون هناك، وفي كل قاعة محكمة تستند إلى قواعد وضعها بعقل مصري عربي فذ.
وأنا حين أكتب عنه لا أكتب تأريخا، بل أكتب اعترافا بفضل رجل أحب مصر بقدر ما أحب العدالة، وخدم أمته العربية بقدر ما خدم مجده العلمي.
ولعلي في كل مرة أقرأ اسمه أدرك أن هذا الوطن، رغم ما يمر به، ما زال قادرا على إنجاب رجال من طراز السنهوري، إن نحن أردنا، وإن نحن أخلصنا، وإن نحن آمنا أن المستقبل لا يبنى إلا على أكتاف العلماء.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض