رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

محمد علي علوبة باشا، تلك الشخصية الوطنية البارزة في تاريخ مصر، كان بحق واحدا من أعمدة السياسة والقانون في عصره، ورغم مرور أكثر من نصف قرن على رحيله، يبقى اسمه حاضرا في صفحات التاريخ كرمز للإخلاص للوطن والتزامه بخدمة قضايا الأمة.

ولد علوبة في أسيوط عام 1875، ونشأ في بيئة علمية ودينية، حيث تلقى حفظ القرآن الكريم في صغره والتحق بالتعليم الابتدائي بمدينة أسيوط، قبل أن يسافر إلى القاهرة لاستكمال تعليمه، متحديا الصعاب، والتحق بمدرسة الحقوق التي مهدت له طريق المحاماة والعمل السياسي، ومن هنا بدأت رحلته الطويلة في خدمة مصر، رحلة اتسمت بالشجاعة والمبادئ الراسخة والتمسك بمصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

دخل محمد علي علوبة عالم السياسة في مرحلة حساسة من تاريخ مصر، بعد وفاة الزعيم الوطني مصطفى كامل، وكان من الشباب الذين آمنوا بالحزب الوطني وسعوا لتحقيق استقلال مصر وكرامتها. 

لم يكن علوبة مجرد سياسي يسعى للمناصب، بل كان رجل مبدأ، يتابع خطوات وطنه عن قرب، يشارك في الاجتماعات والوفود، ويسافر إلى الخارج للدفاع عن قضية مصر، كما حدث في رحلة الوفد المصري إلى باريس سنة 1919، حيث عرض قضية استقلال مصر أمام مؤتمر السلام. 

لقد كان عضوا في اللجنة التي وضعت دستور 1923، وهو ما يعكس دور علوبة المؤثر في بناء الدولة الحديثة، ومشاركته في صياغة قوانين وضوابط الحياة السياسية المصرية.

لم تقتصر مساهماته على العمل البرلماني، بل امتدت لتشمل العمل الوزاري، حيث تولى وزارة الأوقاف أكثر من مرة، ووزارة المعارف، ووزارة الدولة للشؤون البرلمانية، وكان له حضور فعال في المؤتمرات الإسلامية، مثل المؤتمر الذي عقد في القدس سنة 1931. 

وقد تركت فترة وزارته للأوقاف عام 1946-1947 أثرا واضحا، رغم قصرها، حيث أصدر لائحة تنظيمية مهمة، ثم اضطر لمغادرة المنصب بسبب ظروفه الصحية، لكنه فعل ذلك بروح وطنية عالية، محافظا على مصالح الوزارة والشعب قبل نفسه.

كان محمد علي علوبة محاميا بارعا ونقيبا للمحامين، ورغم قوته ومكانته، ظل متواضعا في سلوكه، محبا لخدمة الناس، مدافعا عن حقوقهم، مشاركا في كل الجمعيات الخيرية والتعليمية، وفي جمعية إصلاح الأسرة وجمعية إنقاذ الطفولة المشردة، ولم يقتصر اهتمامه على الداخل المصري، بل امتدت نشاطاته لتشمل فلسطين والدفاع عن القضية العربية، ومواقفه الوطنية الواضحة ضد محاولات الصهيونية التأثير على الشارع المصري. 

لقد كان علوبة من الشخصيات التي جمعت بين العلم والعمل السياسي، بين الفقه القانوني والحس الوطني، بين الدبلوماسية والالتزام بالمبادئ، وهذا ما جعله يحتل مكانة مميزة في الذاكرة الوطنية.

وعندما نتحدث عن مؤلفاته، نجد أنها تجسد فكره العميق ورؤيته الوطنية الواضحة، مثل كتابه "مبادئ في السياسة المصرية" و"فلسطين وجاراتها"، و"ذكريات اجتماعية وسياسية"، وهي مؤلفات تعكس وعيه السياسي والاجتماعي، وحبه لوطنه وشغفه بالدفاع عن القضايا العربية والإسلامية. 

لقد كان علوبة رجلا يجمع بين العقل والحس الوطني، بين العمل القانوني والدبلوماسي، بين الوفاء للوطن والتمسك بالمبادئ، مما جعله نموذجا يحتذى به في الوطنية الحقيقية.

إن الحديث عن محمد علي علوبة باشا ليس مجرد استعراض لسيرة تاريخية، بل هو تذكير بقيمة الوطنية الحقة، وبأهمية المبدأ والإخلاص في العمل العام، فالتاريخ لا ينسى من ساهموا بصدق وإخلاص في خدمة وطنهم، ومن عملوا لرفع شأن مصر بين الأمم، وكان محمد علي علوبة أحد هؤلاء الرجال الذين يظل أثرهم حاضرا، ليس فقط في الوثائق والمذكرات، بل في وجدان كل مصري يعرف معنى الخدمة العامة، ويؤمن بأن الوطن فوق كل اعتبار.

رحل علوبة عن عالمنا في القاهرة سنة 1956، لكن إرثه الفكري والسياسي والقانوني يظل منارة لكل من يبحث عن الوطنية الحقيقية، عن العمل النزيه والمخلص، عن الإيمان بأن مصر تستحق كل جهد، وكل تضحية. 

لقد ترك لنا مثالا حيا على أن السياسة ليست مجرد منافسة على المناصب، بل هي عمل من أجل الناس، من أجل الحق، من أجل العدالة، ومن أجل الوطن، وهذا الدرس يظل خالدا، كما خالد هو اسم محمد علي علوبة باشا في سجل رجال مصر الأوفياء.