رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

هناك أسماء تمر في تاريخ هذا الوطن كشرارة لا تطفأ، كأنها كتبت على جدار الذاكرة المصرية بحبر لا يمحوه الزمن، ومن بين هذه الأسماء يظل علوي حافظ واحدا من تلك الشخصيات التي لا يمكن أن تقاس بمقاييس السياسة وحدها، ولا تحصر في لقب نائب أو معارض أو ضابط سابق. 

علوي حافظ كان روحا من طبائع المصريين، مزيجا من الجرأة والمباشرة والوفاء لمكان خرج منه ولم يتنكر له يوما؛ الدرب الأحمر، وإذا أردت أن تلخص هذا الرجل في كلمة واحدة، فلن تجد أصدق من كلمة “ابن البلد” بمعناها المصري الخالص: شجاع، صريح، لا يساوم في الحق، ولا يعرف إلا أن يقف في الصف الذي يمليه عليه ضميره مهما غلت الكلفة.

ولد الرجل في 2 فبراير 1930، وفي سن مبكرة وجد نفسه داخل سلاح الطيران الملكي، ثم التحق بتنظيم الضباط الأحرار وهو أصغرهم سنا وأكثرهم اندفاعا. 

لم تكن تلك جرأة سياسية فقط، بل كانت طبيعة تكونت فيه منذ طفولته في حواري الدرب الأحمر؛ حيث يختلط الفقر بالعزة، والشدة بالإقدام. 

قاد معسكر الفدائيين هناك، ودرب شباب الحي على السلاح، وحول حياة الاحتلال البريطاني في القناة إلى صداع دائم، حتى أصبح اسمه معروفا لدى ضباط المخابرات الإنجليزية. 

ولعل الأقدار وحدها هي التي جعلت صبية مثل عادل إمام وسعيد صالح يتلقون أول دروسهم في فركشة السلاح على يده، قبل أن يصنعوا تاريخهم الفني، ويبقى هو صانعا لتاريخ آخر تماما.

اندفع الرجل في أزمة مارس 1954 بكل حرارة شبابه، وبكل قناعته بأن الثورة يجب أن تحمي نفسها من محاولات الالتفاف عليها، ويروى أنه خطب في الدرب الأحمر خطبة حماسية اتهم فيها محمد نجيب بالتآمر مع أحزاب الملك، فاندفع الناس خلفه حاملين ما توفر من سلاح، وحاصروا قصر عابدين، حتى اضطر نجيب إلى الاتصال بعبد الناصر معلنا موافقته على مطالبه، بشرط واحد: "خلصني من علوي". 

سواء اتفق المرء مع تلك اللحظة أو اختلف، فإن المؤكد أن هذا الشاب وقتها كان يملك طاقة سياسية لا يمكن لأحد تجاهلها، وأنه رأى الثورة أكبر من الأشخاص.

ترك الجيش لاحقا وهو برتبة نقيب، واتجه إلى السياسة، ليبدأ رحلة أخرى تماما، لكنها لم تكن أقل سخونة ولا أقل شرفا، ترشح في أول انتخابات بعد الثورة عن دائرة الدرب الأحمر، فاكتسحها بلا منازع، لأن الناس كانت تعرفه، وتعرف أنه ابن الدائرة الذي لم يساومها ولم يخرج منها إلا ليعود إليها في كل لحظة. 

كان نائبا شرسا في مواجهة الشيوعية، فالتقت به المخابرات الأمريكية سرا لنقل رسائل إلى عبد الناصر، حتى وصل الأمر إلى أن يقترح الرئيس الأمريكي ليندون جونسون عليه أن يتولى رئاسة مصر بديلا لعبد الناصر. 

لكن الرجل عاد إلى قائده وحكى القصة كما هي، دون تردد أو مناورة، ليكتب صفحة من الوفاء السياسي الخالص لا يجيدها إلا من يؤمن بالوطن قبل كل شيء.

في البرلمان، كان علوي حافظ معارضا لا يستطيع أحد ترويضه، واجه تجارة المخدرات في الجمالية والباطنية، وواجه الفساد بشجاعة جعلت اسمه يرتبط دائما بالحق، حتى لو اضطر أن يقف وحيدا تحت القبة. 

أشهر استجواباته كان ذلك الذي كشف فيه بالأرقام والوثائق فساد صفقات السلاح الأمريكية، وتورط من سماهم “عصابة الأربعة”، وكشف الأرباح المشبوهة التي حصدتها شركات وهمية، واتهم أصحابها بأنهم تسببوا في تضخم ثروات غير مفهومة على حساب أموال الشعب. 

كان البرلمان يومها يرتج من وقع كلماته، بينما الحكومة تبحث عن أي طريقة لإسكات تلك الفضيحة، حتى لجأت إلى عقد الجلسة في موعد مباراة للمنتخب المصري، ثم حذفت الأسماء من المضبطة، وكأن التاريخ يمكن تمزيقه بممحاة صغيرة، لكن الحقيقة بقت، وظل اسم علوي حافظ مرتبطا بالحقيقة مهما حاولوا دفنها.

كتب الرجل مذكراته: “مهمتي السرية بين عبد الناصر وأمريكا”، “الفساد”، و“المنصة”، وكانت كلها قنابل سياسية لا يجيد تفجيرها إلا من عاش داخل مطبخ السلطة وخرج منه بضمير نظيف. 

صدم الكثيرين بوصفه قتلة السادات بأنهم “أبطال” من وجهة نظره، واتهم السادات بأنه كان طرفا في التخلص من المشير أحمد بدوي، قد تتفق مع رأيه أو ترفضه، لكنك لا تستطيع أن تقول إن الرجل كان يبحث عن مجد شخصي؛ كان فقط يقول ما يراه حقا، بلا تجميل ولا تردد.

وحين توفي في 1993، خرج أهل الدرب الأحمر جميعا لوداعه، لم يودعوا نائبا فقط، بل ودعوا واحدا من أبنائهم، رجلا شريفا حمل همهم في قلبه قبل أن يحمله في البرلمان، أحبهم فأحبوه، ودافع عنهم فبكوه. 

هكذا رحل علوي حافظ، لكنه ترك وراءه درسا كبيرا أن الوطن لا يصنع بالشعارات، بل بالمواقف، وأن الحقيقة لا تحتاج إلا إلى رجل واحد يقف ويقولها، فيصير صوته أعلى من كل ضجيج السلطة، وأقوى من كل محاولات الطمس.

وبينما تمر السنوات ويعاد تشكيل المشهد السياسي ألف مرة، يبقى هذا الرجل شاهدا على أن مصر، رغم ما مرت به، كانت دائما تنجب رجالا لا يخافون إلا الله، ولا ينتظرون إلا رضا ضميرهم. 

وإن كان من حقنا أن نفتخر، فليكن الفخر بمن يشبهون علوي حافظ: أولئك الذين صنعوا تاريخا لم يطلبوا عليه ثمنا، ولم يتركوا خلفهم إلا سيرة تشبه مصر نفسها؛ قوية، صلبة، صريحة، لا تنكسر مهما اشتدت العواصف.