محمد بخيت المطيعي، ذلك الاسم الذي يلمع في سماء الأزهر والفكر الديني المصري، هو واحد من أعظم الشخصيات التي صنعت توازنا دقيقا بين الدين والدولة في تاريخ مصر الحديث.
ولد المطيعي في بلدة المطيعة بأسيوط في صعيد مصر سنة 1854، وترعرع في أسرة ملتزمة بالمذهب المالكي، قبل أن يتحول إلى المذهب الحنفي، لكنه ظل محافظا على أصوله وعمق فهمه للدين.
منذ نعومة أظافره، تميز محمد بخيت بالذكاء الحاد والذاكرة القوية، ما أهله للتفوق في علوم النقل والعقل على حد سواء، وفي سن مبكرة التحق بالأزهر الشريف ليتلقى علومه، ويتلمذ على كبار شيوخ الأزهر، مثل الشيخ محمد عليش والشيخ أحمد الرفاعي المالكي، وحتى الفيلسوف والمصلح جمال الدين الأفغاني، متأثرا بهم جميعا في صقل فكره ورؤيته للدين والدولة.
لقد كان المطيعي نابغة عصره، ليس فقط في حفظه وفهمه للنصوص الشرعية، بل في قدرته على حل المشكلات المعقدة وقيادة الأمور بحكمة، لم يكن منصبه كمفتي للديار المصرية مجرد رتبة يشغلها، بل كان بمثابة مسؤولية روحية ووطنية.
حين عين مفتيا، لم يكن همه الشخصي أو النفوذ، بل كان همه حماية الدين وتحقيق العدل بين الناس، حتى لو تعارض ذلك مع مصالحه الشخصية.
فقد أصدر آلاف الفتاوى بعلم ووعي، وكان يسهر على تدريس طلابه، مستقبلا الأتراك والهنود والأكراد من كل حدب وصوب، فكان صدره رحبا للجميع، متواضعا، يحب النكتة والفكاهة، ويعامل الجميع باللطف والاحترام، حتى صار بيته ملاذا للطلبة الفقراء والأغراب، يقيم لهم مجلسه ويعينهم بالمال والعلم.
لكن محمد بخيت لم يكن عالما روحيا فحسب، بل كان أيضا فاعلا سياسيا ذكيا وحاميا لمبادئ الشريعة، فقد شارك في لجنة الثلاثين التي وضعت دستور مصر 1923، وكان له السبق في اقتراح أن تكون الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، ليضمن بذلك حماية الحقوق الدينية وتكريس دور الدين في الحياة العامة بشكل متوازن وعادل.
هذا التوازن الذي حرص عليه طوال حياته كان شاهدا على قدرته النادرة على المزج بين الدين والدولة بطريقة عقلانية وعملية، بعيدا عن التعصب أو الجمود.
إن متابعة مسيرة المطيعي تكشف مدى التزامه بالعلم والعمل معا، فقد عمل في القضاء بمختلف المدن المصرية، من القليوبية إلى المنيا وبورسعيد والفيوم وأسيوط، وحتى في الإسكندرية حيث تولى رئاسة محاكمها الشرعية، ولم يكن منصبه عائقا عن تدريس العلوم الشرعية.
بل كان يومه مليئا بالتنقل بين الوظائف والدرس، حتى إن السفر بين الإسكندرية والقاهرة لم يمنعه من الحضور اليومي إلى الأزهر لإلقاء الدروس.
هذه الروح الطموحة والمجتهدة هي التي أنتجت جيلا من العلماء أفادوا الأمة بعلمهم، ممن تخرج على يديه عبد الله الغماري وعبد الوهاب عبد اللطيف وغيرهم من الفضلاء.
ولا يمكن أن نغفل عن جانب المؤلف والمفكر في شخصية المطيعي، فقد زين المكتبة الإسلامية بمؤلفات غنية ومؤثرة في شتى العلوم الشرعية، من الفقه وأصوله إلى التفسير والمنطق والفلسفة.
من بين أعماله "القول الجامع في الطلاق البدعي والمتتابع"، و"إرشاد الأمة إلى أحكام الحكم بين أهل الذمة"، و"الكلمات الحسان في الحروف السبعة وجمع القرآن"، و"الأجوبة المصرية عن الأسئلة التونسية"، إلى جانب عشرات المؤلفات التي أغنت الفكر الديني وجعلته أكثر قربا من واقع الناس وحياتهم اليومية، وهذه المؤلفات لم تكن مجرد كتب نظرية، بل كانت أدوات عملية لفهم الدين وتطبيقه بعدل ووعي.
أما عن مواقفه الحياتية، فقد عرف المطيعي بالعدالة والتمسك بالحق، حتى عندما واجه تحديات كبيرة، فقد امتنع عن الخضوع لضغوط بعض المسؤولين حين تطلب الأمر، وكان دائما يقول: الحق هو الحق، بغض النظر عن المناصب أو الأموال.
ولعل أبرز مثال على ذلك موقفه بشأن قانون التقاعد لمفتي الديار المصرية، حيث رفض الاستسلام لمطالب شخصية وحرص على احترام الأوقاف الشرعية، مؤكدا أن المسؤولية الشرعية أعلى من أي اعتبار دنيوي، هذه النزاهة والجرأة جعلت منه قدوة حقيقية للعلماء والفقهاء والقادة على حد سواء.
ومع كل هذه الإنجازات، لم ينس المطيعي جانب الإنسانية والتواضع، فقد كان محبا للطلبة الفقراء والمحتاجين، يساعدهم بالمال والعلم، ويستقبلهم في بيته، ويعاملهم كأب أو أخ كبير.
وهذا الجانب الإنساني، إلى جانب علمه الغزير، جعله شخصية محبوبة وموضع احترام من الجميع، بل إن أثره استمر بعد وفاته في 18 أكتوبر 1935، حيث ترك إرثا من العلم والحكمة والخدمة العامة لا ينسى.
محمد بخيت المطيعي ليس مجرد شخصية دينية أو مفتي سابق، بل هو رمز للعلم والتواضع والشجاعة الوطنية، نموذج يحتذى به لكل من يسعى لتحقيق التوازن بين الدين والدولة، وبين العلم والعمل، وبين الحق والعدل.
حياته دليل حي على أن الإيمان بالحق والالتزام بالعلم والنزاهة يمكن أن يصنع أمة متحضرة، ويدعم مجتمعا عادلا، ويترك إرثا خالدا للأجيال القادمة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض