نبضات
أن يكون للمثقف رأى وموقف تجاه قضايا وطنه وإشكالياته لهو أمر بدهى وحتمى، فالمثقفون هم صانعو الرأى والمؤثرون فى المفاهيم والذهنيات فى إطار الثقافة الجمعية، والقادرون على تحرير الفكر من معوقات قد تكبله، فبكلمة تسطرها أقلامهم قد تتبدل آراء وبأخرى قد تختلف توجهات وتُطرح أفكار.
وعليه فقد كان لقرار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس، فى ٢٦ يوليو ١٩٥٦، تبعاته، والتى فجرت كثيرا من ردود فعل المثقفين، حينذاك، فبعضهم قد وصف القرار بالجريء والمنتصر، فيما نعته البعض الآخر بالمتسرع غير المدروس، ولكل وجهة نظر ما يدعمها من المنطق والأسباب السياسية، والتى حتما أثرت فى جمهور هنا وآخر هناك، ولعلى فى السطور التالية أستطيع ذكر بعض تلك الآراء:
*جلال أمين:
يذكر المفكر الكبير جلال أمين معقبا على التأميم: «وبلغ حماسى، وحماس جيلى لعبدالناصر منتهاه بسماعنا تأميم قناة السويس فى ١٩٥٦، حيث لم تعادل فرحتنا بهذا التأميم إلا فرحتنا بقيام الثورة قبل أربع سنوات».
* نجيب محفوظ:
أما الأديب العالمى نجيب محفوظ، فقد عُرف بمعارضته لقرار التأميم ولسياسة عبدالناصر بشكل عام، فها هو يراه قراراً متسرعاً جر على مصر الحرب والعدوان.
*طه حسين:
فيما يقول عميد الأدب العربى بوضوح إن تأميم قناة السويس قد هز وجدانه، وانفعل به انفعالا شديدا، وأشعل فى نفسه مشاعر وطنية متدفقة، وأن موقف (عبد الناصر) الرافض للاستسلام أثناء العدوان الثلاثى عام 1956 قد زاد من حبه وتقديره له، حتى أنه نسى أيامها كل تحفظاته على غياب الديمقراطية.
د. مصطفى الحفناوى:
يعد الدكتور مصطفى الحفناوى، القانونى والصحفى، من الجنود الذين شاركوا فى هذا التأميم، وقد كتب كواليس التأميم فى مذكراته.
وللحفناوى مواقف كثيرة تعبر عن اهتمامه بموضوع قناة السويس قبل التأميم بفترة طويلة، حيث إنه أثناء سفره فى رحلة عمل بالباخرة إلى إنجلترا عام 1946 استمع فى المركب إلى رجل إنجليزى يتحدث عن قناة السويس والتجارة العالمية والقاعدة البريطانية العسكرية، وتعرض بوقاحة للشعب المصرى وقدراته، ورد عليه الحفناوى قائلا إن عقد القناة ينتهى فى عام 1968 وسوف تتسلم مصر القناة وتديرها، فقال الإنجليزى غاضبا إن العالم ليس من الغفلة أو البلاهة بحيث يضع مصير التجارة العالمية فى أيدى الجهلاء المتخلفين، فحدثت مشادة، وبعدها بدأ اهتمامه بقناة السويس ودراستها.
وقال لنفسه إن الرصاصة التى قتلت بطرس غالى عام 1910 حين حاول أن يمد عقد القناة يمكن أن تكون سيولا منهمرة من الرصاص لمن يفكر فى مد الامتياز بعد موعده.
* يوسف السباعى
فى مقال له بعنوان «يا جمال ظهرك مسنود جدًا» بتاريخ 30 يوليو 1956، والتى أوردها كتابه «أيام عبد الناصر»، والذى كتبه من وحى مواقف جمعته بالزعيم الراحل، وأيضًا بعض المواقف المهمة فى تاريخ الأمة.
وجاءت تلك المقالة عقب القرار التاريخى بتأميم قناة السويس شركة مساهمة مصرية، يقول فيها «سمعتك هذا الأسبوع، تؤمم القنال، وقلت فى خطبتك إنك لم تفعل ما فعلت إلا وأنت تُحس أن ظهرك مسنود بشعب بأكمله».
وأضاف «لقد أبصرت بعينيك وسمعت بأذنيك الشعور المتفجر والإحساس الجارف بتأييدك، وما لم تبصره كان أجل وأعنف وأقوى، لم تبصر الشباب الذى لم يستطع الحضور لسماعك، وهو يضم أجهزة الإذاعة وكأنه يحتضنك، ولم تبصر الفتيات الصغيرات وهن يؤكدن استعدادهن للتضحية بكل ترف وراحة يوفرن لك كل قرش لتبنى به السد».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض