ضوء فى آخر النفق
وكأن مشهد موكب المومياوات الملكية البديع، الذى خلب ألباب المصريين عند انطلاقته إلى المتحف الكبير، وشاهده العالم كله على الهواء صوتا وصورة.. كاد أن يتكرر. هل كانوا يمنون أنفسهم بحدث ساحر مماثل، أو بسويعات مماثلة من البهجة؟ ففى حضرة المصريين القدماء أنت حى.. بكل معنى الكلمة.. حى فى ذاتك..فى داخلك.. حى بين أجدادك. تتوحد مع تراتيل المجد المنسكب فى روحك فى هذه اللحظة، التى تملأ روحك وتحيطك من كل جانب..بأثر ما شيده جدك.. أو فكرة دونها على جدار معبد، أو نقشها على آنية ذهبية، أو نحتها على عُمّدٍ صخرية فاتنة كما امرأة جميلة، أو بلحظة تدفق المعلومات التى قرأتها آلاف المرات عن التوحيد والبعث والخلود.. عن الاهرامات وأبو الهول.. عن آمون رع وحتشبسوت وأحمس وتحوتمس ورمسيس الثانى وغيرهم.. هذه لحظة تَجَدُدْ حياتك..تضىء من أعماقك..تغسل همومك.. فهذه الضفاف لامثيل لها، وباليقين لو امتلكها بلد فى أوروبا لكان يرقص طربا ويغنى لأمجاده على مسرح العالم كل لحظة بلا مبالغة.
-لا نعرف قيمة ما لدينا إلا بعد أن يفوت الوقت..كما اعتدنا أن يعمل كل منا من «رأسه»..العمل الفردى.. «آفة حارتنا النسيان» طبقًا لعمنا نجيب محفوظ.. لكننا كما تقول السياسة والعمل العام فإن «آفة بلدنا العمل الجماعى». فالمصريون الذين صنعوا مشهد التقاطر على المتاحف، وتواجدوا فى هذه الرحاب البديعة، ملبين نداء أجدادنا الأقدمين، الذين يبدو وكأنهم هم أيضا جاءهم نبأ فتح المتاحف مجانًا، فَمّنُوا أنفسهم برؤية أحفادهم المعاصرين، فابتهجوا باللحظة الفريدة، والتى تجلت لخيالى كما لو أن هذا النهر البشرى جاء حالمًا باستعادة لحظة الدهشة التى خلفته عقله، عندما شاهد انطلاقة موكب المومياوات الملكية المبهر. هذه لحظة مهمة فى تاريخنا الحديث. كان ممكنا فى مناخ علمى وبحثى وثقافى آخر أن يجلس علماء الاجتماع عندنا ليحللوا ويسألوا ويتفكروا فى أسباب تقاطر المصريين وهل سببه مجانية دخول المتاحف، أم كان انتصارا لأجداده الذين أضاءوا الدنيا، فى مواجهة سقطة «أم النور» التى اعتمت قلبها؟ أيكون ثمن التذكرة الذى تم توفيره مغريًا بهذا القدر ليشتد الإقبال؟ هذا مما يتوجب دراسته، كما كان على مسئولى الوزارة وعلماء الآثار والمتخصصين فى الثقافة الفرنسية، أن يقدموا لنا معلومات عن تمثال شامبليون، وصانعه ويحددوا رأس من ملوكنا يوضع عليها شامبليون! تلك الجليطة المرفوضة كليًا. قال زاهى حواس أنه عندما كان فى الوزارة لم يعلم بأمر التمثال (!) وأن الرأس للملك رمسيس الثانى العظيم. نريد حسمًا.. فصحف عالمية ومصرية تقول أنها للملك تحتمس الثالث.. الملقب بنابليون الشرق! لماذا لا تنشر وزارة السياحة معلومات كامله عن التمثال المشين وأصله وفصله، وتحدد لنا هذه الرأس لمن من ملوكنا؟
-.. ولأن آفة بلدنا تكمن فى غياب العمل الجماعى.. فإننا لم نسمع -كما تمنينا- من نقابات التشكيليين وذوى الاختصاص (نحاتين ومثالين ورسامين إلخ) أفكارًا ترد غائلة الإهانة، وتقدم رؤى وتصورات تضع المطالب الشعبية بنحت تماثيل وأعمال فنية ترد على المتحضر الفرنسى إياه بمحاولته النيل من الحضارة الأعظم فى العالم، وبفعلته المشينة جعل «أم النور» تغط فى العتمة والإظلام!