حكاية وطن
إصلاح التعليم يبدأ من تفعيل دور المدرسة وتحسين أحوال المعلمين، فإن عودة التلاميذ إلى الفصول الرسمية وشعور المعلمين بالثقة والهيبة عاملان رئيسيان فى الحد من مراكز الدروس الخصوصية التى تستنزف المليارات سنوياً من جيوب أولياء الأمور، وتسترد المدرسة دورها التربوى والتعليمى والتثقيفى والرياضى والأدبى ويكف المدرس عن اللهث وراء المادة لتكفيه احتياجات بيته وتعويض نفسه بالمال عن التجاهل الذى يلقاه رغم أنه فى مرتبة الرسل إذا حصل على وضعه الطبيعى لأنه يعلِّم حروفاً، من يعلمك حرفاً تكن له عبداً، وليس عبداً بالمعنى الحرفى ولكن عارفين بفضله أينما حلوا، ومتى وصلوا إلى مواقع مهمة.
عودة المدرسة واسترداد المدرس للهيبة والقيمة التى يجب أن يكون عليها، يجب أن يكونا على جدول أعمال وزير التربية والتعليم الدكتور رضا حجازى، باعتباره ابناً من أبناء التعليم، يعلم ماذا كان المعلم وكيف أصبح، وماذا كانت تقدم المدارس، وكيف وصل بها الحال إلى أن تتحول إلى أبنية يهجرها المدرسون قبل التلامذة ليلتقيا فى «سناتر» الدروس الخصوصية أحدهما طالب مال والآخر طالب علم، ويفرض التعليم الموازى نفسه على التعليم الرسمى الممزوج بالتربية كما كان زمان.
تطبيق هذه الأهداف حتى تعود الروح إلى العملية التعليمية يحتاج إلى إنفاق مالى وزيادة ميزانية وزارة التربية والتعليم التى وصلت تقريباً إلى أكثر من 150 مليار جنيه بعد أن تضمن الدستور زيادتها بنسبة لا تقل عن 4٪ من الناتج القومى الإجمالى، تتصاعد تدريجياً حتى تتفق مع المعدلات العالمية، وهو إنفاق فى تقديرى فى محله لأن فاتورة الجهل مكلفة جداً، واختطاف التعليم خطر، والذى يعتقد أن التعليم باهظ الثمن فليجرب الجهل.
تطوير العملية التعليمية جعلها الدكتور رضا حجازى هدفه الأول منذ أدائه اليمين الدستورية وزيراً للتربية والتعليم، قال: مستمرون فى تطوير التعليم، لكن قد نراجع آليات التنفيذ لعمل التعديلات اللازمة. كما وضع اقتراحات أولياء الأمور وأساتذة كليات التربية، والمفكرين فى اهتمامه بعملية التطوير، أهم ما قاله الوزير إنه لن يبدأ العام الدراسى الجديد إلا وكل أمور امتحانات الثانوية العامة محسومة، ويقصد العام الدراسى الجديد (عام 22- 23)، لكن لى تعقيباً على كلام الوزير هو أنه لابد من إغلاق ملف الثانوية العامة الحالية (21- 22)، لأن زلزال هذا العام الذى ما زال يواجهه أبناؤنا له توابع خطيرة لابد من مواجهتها، تبدأ بتظلمات الطلاب من نتائجهم التى وصلت إلى حد الاحتجاجات بعد اكتشاف إجابات ليست بخط الطلاب المتظلمين وتبديل أوراق الإجابة إلى جانب قضية الغش العائلى التى قال عنها الوزير السابق طارق شوقى إنه أحالها إلى التحقيق. هذه القضية لا يمكن اعتبارها عملية غش جماعى أو تسريب امتحانات ولكنها عملية فساد وجريمة متكاملة الأركان لها عدة شركاء تحدث عنها البعض بأنها كانت تبدأ من تشكيل لجان الامتحانات، هذه الجريمة التى أدت إلى وصول طلاب مدارس كاملة إلى كليات الطب لابد من التحقيق فيها وإظهارها نتائجها لكشف الفساد والضارب فى عمق العملية التعليمية، ومنعه فى السنة القادمة لامتحانات الثانوية العامة.
إن الغش فى الامتحانات بشكل عام أخطر الظواهر السلبية والمشكلات التربوية التى تهدد سلامة النظام التعليمى وجديته ما يدعو إلى إخضاع هذه الظاهرة للدراسة والبحث العلمى للوقوف على أسبابها ودوافعها من أجل الوصول إلى علاج جذرى لها، هذه الظاهرة تؤثر على مبدأ تكافؤ الفرص بين أفراد المجتمع بعد أن أصبح الغش الإلكترونى موضة بين الطلاب، والذى يتم عبر تداول أسئلة الامتحانات عبر مواقع التواصل الاجتماعى.
ويمكن أن تطلع وزارة التربية والتعليم على تجارب بعض الدول فى مواجهة الغش بالامتحانات مثلاً الامتحانات فى اليابان بدون مراقبين لتعليم الطلاب مبادئ أن الغش لن يصنع من الطالب شيئاً ولكنه فقط يمنحه درجة النجاح، ويعلمونهم ضرر الغش ليمتنعوا عنه مستقبلاً لأن من شب على شىء شاب عليه، كما ابتكرت اليابان جهازاً يكشف استخدام الهواتف المحمولة فى لجان الامتحان واضطرت الصين إلى إلغاء الامتحانات عامين متتاليين 2014 و2015، بسبب تسريب الأسئلة ووصولها إلى لجان الامتحانات وتغلبت على هذا الأمر باختراع طائرات صغيرة بدون طيار مزودة بكاميرا لمراقبة الطلاب أثناء الامتحانات وقامت الجزائر بتعديل شبكة الانترنت خلال مدة الامتحانات، وقامت الهند بقطع خدمات الهواتف والإنترنت خلال الامتحانات وأجبرت الطلاب على خلع ملابسهم والبقاء فى اللجان بالملابس الداخلية لمنع الغش.
هذا يؤكد أن «شاومينج» فضيحة عالمية وليست قاصرة على الامتحانات فى مصر، ولكن محاولات القضاء على الغش مستمرة، ويجب أن تكون مستمرة فى مصر لأن الطالب الغشاش سيكون مسئولاً غشاشاً فى المستقبل فى أى مهنة يلتحق بها، وقف «شاومينج» وشركاه ليس صعباً، إذا عادت المدرسة تستقبل الطلاب كل صباح مع الالتزام بمواعيد اليوم الدراسى وإذا استرد المدرسون الهيبة والثقة التى افتقدوها فى ظل تدنى المرتبات وتجاهل جهودهم التى عرضوها فى بوتيكات الدروس الخصوصية.
متفائل بالإجراءات الجديدة التى بدأ تطبيقها وزير التعليم الدكتور رضا حجازى فى تعديل المناهج وإشراك أولياء الأمور فى كل ما يخص أبناءهم والاستعانة بالخبراء فى التطوير.