رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

 

 

غدا ذكرى رحيل المبدع الكبير صبرى موسى، الذى أمتعنا وأسعدنا وعلّمنا بسحر حكيه وروعة كلماته، وحضوره الدائم. فرغم الغياب أربع سنوات بجسده وروحه، مازالت كتاباته صاحية بليغة ومؤثرة فى أجيال وأجيال لا تنتهى.

أنا محظوظ أننى رأيته فى سنواته الأخيرة. كان صلبا رغم المرض المزمن، لماحا وذكيا رغم أنفضاض الأصدقاء والمحبين. بدت عيناه ملتمعتين بسحر ذكريات وحكايات وانتصارات وأزمنة وإبداعات لا تنقطع. أهدانى روايته الأثيرة «فساد الأمكنة» وعليها توقيعه الذى أسعدنى ومازال كلما عُدت إلى هذا العمل الفذ مسترشدا ومستضيئا ومستعذبا جمال السرد وروعة اللغة.

إن صبرى موسى مبدع فريد حداثى وواقعى، ومُعلم كبير. من يقرأه يعرف كيف يُعرى الحجارة بحكمة جراح متقن، ويمسح غبار البداوة عن صورتنا فى فضاء العالم. كيف يصنع من الكلمات صورًا تتداخل لتعيد صياغة أحاسيسنا وأشواقنا، وكيف يترجمنا إلى مصطلحات ومشاعر جميلة وطيبة. كيف يؤكد لنا الرجل دوما أننا دولة حضارة وثقافة وإبداع.

لقد أمتعنا ومازال وسيبقى بحكايات وقصص وسيناريوهات سينمائية ساحرة، وكتب ومقالات ودراسات لافتة لا يمكن أن تُنسى. شاهدوا فيلم «البوسطجي» وترحموا على مَن صاغ هذا السيناريو المُحكم، وتذكروا فيلم «قنديل أم هاشم» واستمتعوا بإتقان الحبكة ورسم الشخصيات الناضج. اقرأوا «السيد من حقل السبانخ» وارتووا من خمر الخيال المُذهل وقدرته على استقراء الغد.

أتذكر يوم جنازته عندما تلقيت النبأ الفاجع من زوجته ورفيقة عمره الزميلة أنس الوجود رضوان، التى أهداها الله له قبل شهور من مرضه الطويل فكانت أنسا له وسندا وعينا أخرى يرى من خلالها العالم طوال سنوات قضاها ممتحناَ بابتلاء المرض. سبقناه إلى مشهد السيدة نفيسة التى كان يُجلها وهناك صلينا عليه، وحضر تلامذة ومبدعون وصحافيون من كل مكان لتوديعه، ثُم واريناه فى مقبرته بحضن المقطم، وقفلنا عائدين. فى الطريق قال لى صديقى الكاتب النابه خيرى حسن «ياااه... إنها النهاية». قلت له « بل البداية». من قال إن الموت هو آخر طريق الإنسان. إن المبدع الحقيقى لا يموت. يرحل جسدا، فهذا حكم قاطع لا يقبل الجدل. يغيب روحا : قدر الله. وربما يُنسى زمنا، لكن بريق الدر لدى صاحب الابداع يبقى عقودا وقرونا. ولاشك أن إرادة الله تأبى للجمال أن يغيب دون أثر، فينكش إنسان ما قد لا يعرف المبدع ولا يرتبط به بصلة ليُعيد اكتشافه وتقديمه وارشاد الأجيال القادمة إليه فيغترفون من سحره ويتذوقون عسله.

فمثل صبرى موسى، الأديب الصائغ الذى يغزل إبداعه بترو فنان مالك لخيوط اللغة وقادر على صياغة الدهشة، يخلّد فى سماوات صانعى الجمال والروعة، مادامت الحياة على كوكب الأرض.

ومثل صبرى موسى، الكاتب المغامر الذى اخترق الصحراوات المصرية واكتشف أسرارها لا يموت ويبقى دليلا استرشاديا للمغامرين والساعين للتجديد والابتكار والاكتشاف جيلا خلف آخر. ومثل صبرى موسى، الصحفى النزيه الذى أحب مصر حبا جنونيا فأبى ضميره أن يتقبل جنسية أخرى حين أتته الجنسية الأمريكية بعد حصوله على جائزة بيجاسوس العالمية، لا يخمد ذكره بانقطاع أنفاسه، فآثاره فى تلامذته ومحبيه تبقى نبراسا لعشاق صاحبة الجلالة أبد الدهر.

والله أعلم.

 

‏[email protected]