خارج السطر
أحب إبراهيم عبدالمجيد، روائياً وكاتباً وإنساناً فريداً. لا أتذكر على وجه اليقين المرة الأولى التى التقيته، ربما فى جريدة الوفد بعد سنوات قليلة من الألفية الثالثة وكان يكتب عموداً صحفياً فيها ويسأل عن مكتب رئيس التحرير. تحادثتنا قليلاً، وكان بشوشاً، وبسيطاً، وشعرت بألفة غريبة ظلت لخمسة عشر عاماً حاضرة كلما رأيته.
تكررت اللقاءات، بقصد وبدون قصد، ربما على أحد مقاهى وسط البلد، أو فى حفل توقيع، أو ندوة كاتب، أو معرض الكتاب، لكن أهم لقاءاتى معه كانت على الورق، عندما أقرأ له حكاية، فأسافر بخيالى إلى أشخاص غرائبيين، وأحداث مثيرة، ومواقف لافتة تروى روعتها شغف التنقيب فيما مضى.
خطفتنى ثلاثية الإسكندرية لأبعد مدى. سحرتنى رواية «لا أحد ينام فى الإسكندرية» حتى إننى أعود إلى بعض فقراتها لأعرف ما حدث سنة كذا وسنة كذا فى مصر زمن الحرب العالمية الأولى. يبدو إبراهيم عبدالمجيد قادراً على الإمساك بقارئه والتجول به حيثما أراد، بكلمات بسيطة موحية، وبأفعال بشرية غريبة، وبانفعالات غير متوقعة. أعجب بسرده الرائق، وحضوره الفلسفى، وعمق إحساسه بالإنسان داخل الإنسان، بخيره وشروره، وقوته وضعفه، وحسنه وقبائحه، وتجاربه المتعددة فى الفن.
وفى كل كتاب جديد يسبق الآخرين بفكرة، بلفتة، بإضاءة، بتجريب، وكأن عينه دائما على الغد. صحيح أنه يستلذ بسرد الزمن الفائت، وبما واجه فى حياته من تحولات وتغيرات وصراعات، ودخول فى السياسة وانخراط فى العمل السرى، وصولاً للمنشورات وتدبير المظاهرات، إلى الانسحاب إلى ضفاف الفن والإكتفاء به، لكن مع ذلك فإنه متابع جيد للأجيال القادمة، متحاور دائم مع حدثاء الأسنان، يعرفهم أكثر منا، يهبط لهم من علياء تميزه ككاتب كبير ليسألهم ويناقشهم فيما يرون وما يحلمون وما يشغل ألبابهم.
فى روايته الأحدث «الهروب من الذاكرة» يحاول الفرار من حياة صاخبة مزدحمة بالشخوص الغرائبيين والحكايات العجيبة وكأنه يهرب من سجن عظيم. أسر لى الرجل فى جلسة صفاء جمعتنى به قبل سفره للعلاج بأنه محظوظ إلى أبعد مدى. استعجبت التصور، لأنى أعرف أن المبدع الكبير لم يجن الملايين من أعماله العظيمة كما لو كان كاتباً غربياً، لكنه أوضح لى أنه محظوظ أن الله وضع فى طريقه أشخاص غرائبيين إلى أبعد مدى لا يمكن أن يسقطوا من الذاكرة. قال لى كان معنا فى الإسكندرية شخص يحلم بالسفر للأندلس، التى كانت تمثل أرض الجمال المفقودة، وكان يأتى بالخريطة ويطلب تحديد مسار الرحلة، حتى إذا كبر غادرنا جميعا إلى ليبيا ومنها إلى باقى بلاد شمال أفريقيا سعياً وراء هذه المدينة. حدثنى عن صديق أحب جارة لهما وكان يفعل كل شىء ممكن وغير ممكن حتى يراها، ويرسل إليها الخطابات، وظل إبراهيم شاهداً على قصة الحب العنيفة حتى افترق عنهما وترك الإسكندرية، وعلم أن صديقه اشتغل فى الميناء وتزوج، ثم انقطعت أخباره ثلاثين عاما، وكتب قصتهما، ثم التقى قبل قليل بسيدة عرف أنها المحبوبة وأخبرته أنهما تزوجا وعاشا حياة طيبة ورائقة وأن رفيقها رحل.
وفى يوم فى مدرسة القبارى بالإسكندرية أخبرهم زميل لهم بأن شقيقه لديه صورة لجمال عبدالناصر عليها توقيعه، ولم ينم إبراهيم وكتب خطاباً إلى الزعيم الشعبى الذى ولدت شعبيته لدى الناس عام العدوان الثلاثى، وطلب صورة للذكرى، ولم يضع عنواناً على الخطاب وإنما اكتفى بكتابة: بجمال عبدالناصرـ رئاسة الجمهورية، وفوجئ بالرئيس يرد عليه ويرسل له صورة عليها توقيعه، ففرح كطفل سابق لزمنه.
كل هذا يحدث للجميع، لكن مَن يحكى ومَن ينفعل ومَن يكتب. يكتب. مَن يدون بقلمه الحيوات والحكايات لتبقى للأبد؟
أكتب هذا المقال تحية لصاحب القلم المبهر، الذى ننتظر عودته بشوق ومحبة سالماً من رحلة علاج ليكرر إبهارنا وإسعادنا، ويغرس الفل فى طرقات أيامنا.
والله أعلى وأعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض