رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

حكاية وطن

جيلى من المحررين البرلمانيين القدامى، الذين أصبح معظمهم رؤساء تحرير للصحف القومية والمستقلة، حوّلوا التغطية الصحفية لجلسات مجلسى الشعب والشورى إلى وجبة خفيفة مع كوباية شاى، أو مادة تسلية لذيذة تشبه قزقزة اللب والفول السودانى، دون الإخلال بالمحتوى والعمق لمشروعات القوانين وآليات الرقابة التى تتم مناقشتها، لكن كان الهدف من تبسيط الصياغة هو جذب القارئ من خلال رسالة سهلة الفهم والهضم، تشجع على المتابعة، ولذلك كان القارئ ينتظر الصحف ليلتهمها ساخنة من المطابع من إنتاج مطبخ البرلمان.

كان لـ«الوفد» السبق فى إطلاق وصف المطبخ البرلمانى على لجان البرلمان فى مجلسى الشعب والشورى، وما زال هذا الوصف يتداول حتى اليوم، لأن اللجان النوعية بالبرلمان هى المعنية بإعداد التقارير التى يناقشها المجلسان تحت القبة عن مشروعات القوانين التى تحال إليها، وكافة الموضوعات الأخرى التى يتم تكليف اللجان بها من قيادتى المجلسين بعد موافقة المجلس، واكتشفت كمحرر برلمانى لـ«الوفد» أن طريقة مناقشة المشروعات فى اللجان التى تتم من خلال دعوة بعض وزراء الحكومة أو الوزير المختص وبعض المسئولين والمتخصصين والجمهور تشبه عملية الطبخ، وهو غير السلق، فالطبخ يحتاج إلى تركيز وتأنٍ حتى يتم ضبط المقادير ليكون سائغ المذاق يسهل من عملية المناقشة تحت القبة من خلال صياغة دقيقة لمواد القانون، أو من خلال طرح الآراء المتعددة المؤيدة والرافضة والمعترضة، أو فك الألغاز واللوغاريتمات فى مشروعات القوانين والموضوعات الأخرى المحالة للمناقشة عندما لا يتسع وقت البرلمان لحسمها فى القاعة ويقرر إحالتها للجان المختصة لتأخذ وقتها من الدراسة، أما السلق فهو يعنى «الكروتة» والفهلوة و«الكلفتة» و«السبهللة» و«الفكاكة»، والتى تؤدى إلى ضبط المشروعات التى تخضع للمصطلحات السابقة فى إشارة المرور بسبب السرعة الزائدة، أو عدم تطبيق شروط الأمن والمتانة، أو السير بدون رخصة، وغياب عوامل الأمن والمتانة.

هناك مطبخ برلمانى فقير تديره لجان غير جماهيرية ومطبخ برلمانى غنى لابد أن تجاوره عربات مطافئ وإسعاف، وقوات حفظ السلام، لأن المناقشات التى تدور فيه تشبه المعركة. اقتربت «الوفد» من كل هذه المطابخ، تذوقت عمايل إيديها، الكلام فيها مباح، كل الكلام، من نوعية «الفساد للركب»، «اللى خربوها وقعدوا على تلها»، ولا يوجد مانع من الإعلان عن الذين خربوها وشغالين «مصمصة فى عضامها»، شعار «الصراحة راحة» كان يظهر فى التسجيلات فقط، ويختفى فى التقارير التى تنزل إلى القاعة. التقارير كانت تنزل مهذبة، نركز على المضمون، ويحذف المونتاج الكلام المباح الذى كان يتم السماح به للحفاظ على ضبط الضغط ومعدل الدم فى السكر.

جراب الحاوى الذى دشن مصطلح المطبخ البرلمانى ملىء بالشطحات التى كانت تتم فى اللجان البرلمانية والتى أطلق عليها المطبخ، الجراب يحتفظ بموافقة المحررين البرلمانيين على مشروع قانون كان يناقش فى إحدى اللجان، وكان الوزير هو الذى يطرح المواد للتصويت بدلاً من رئيس اللجنة الذى ذهب إلى الحمام، وكان الوزير لا يعرف أن أغلبية الجالسين فى القاعة من الصحفيين، وشرب المقلب عندما أعلن موافقة اللجنة على مشروع القانون بعد أن لاحظ رفع الصحفيين أيديهم بالموافقة!

الطبخ البرلمانى لم يكن يتم على طريقة «اطبخى يا لجنة كلف يا مجلس»، كان الأعضاء يتولون عملية توفير البهارات المطلوبة للطبخة، ولم تكن البهارات شطة أو فلفل ما شابه، ولكن كانت كشف المستور مثل اعتراف نائب أنه من أسرة بسيطة، وكان والده «بتاع كشرى»، وعندما طلب الكلمة رفض رئيس اللجنة وقال له: «اجلس يا ابن بتاع الكشرى».

بكى النائب من شدة الحرج، وطبطب عليه رئيس اللجنة واصطحبه إلى المطبخ الرسمى للمجلس فى الدور التاسع، حيث المطعم وعزمه على حسابه، ونائب تم ضبطه يجرى وراء زميله بطفاية سجائر عمودية من التى يتم وضعها فى جوانب المكاتب بعد خلاف فى اللجنة على أرض زراعية حاول كل منهما ضمها إلى حيازته فى دائرة كان يمثلها أحدهما على مقعد الفئات والثانى عن العمال.

ونائب دخل فى نوبة بكاء طويلة لكسب تعاطف اللجنة فى منع رفع الحصانة البرلمانية عنه بعد أن حكى قصة التحفظ على أمواله لأنه رفض مشاركة ابن وزير فى شركته. ونائب وزير كان يحضر إلى اللجنة ومعه لفائف متنوعة من السندوتشات قبل أن يحضر الوزير ويقدمها إفطارا للنواب على طريقة «اطعم الفم»، ونائب طلب أثناء مناقشة مشروع قانون عن نقل وزراعة الأعضاء البشرية علاجه من مشكلة عدم الإنجاب!

ووزير سابق هارب حاليا حاول إقناع اللجنة بأنه لم يستغل المال العام فى علاج عينيه وتبين أنه يكذب، ورئيس لجنة برلمانية قدم استقالته لـ«الوفد» من عضوية شركة قابضة ونائب كانت أعصابه تفلت منه عندما كان يتم وصفه بأنه أحد نواب القروض.

ونائب قال لرئيسة لجنة «يا حيزبونة، يا عجوزة» وهذا النائب لم يفز بعد ذلك عندما تحدث عن تجارة السلاح.

«انسف مطبخك القديم» كما قال أحد الصحفيين كان ضروريا وهو ما حدث بعد انتخاب أول برلمان عقب ثورة 30 يونية، المطبخ البرلمانى تحسّن كثيرا منذ دور الانعقاد الأول لمجلس النواب فى الفصل التشريعى الحالى بعد اختيار القائمين عليه بعناية، ولذلك تم تجديد الثقة فيهم فى دور الانعقاد الحالى، مع نسبة تغيير ضئيلة، التقارير البرلمانية الحالية فيها جهد واضح لأنها تتم بعد مناقشات متأنية، هناك بعض السلبيات لكنها قليلة جدا، وغير مقصودة ويتم إصلاحها مع اكتساب الخبرة.

لا شك أن قيادات مجلسى النواب والشيوخ حاليا مهتمة بإنتاج المطبخ البرلمانى، وتتابعه أولاً بأول وتهتم بالمقادير والتفاصيل، حتى تنضج المشروعات على نار هادئة، ترضى أذواق الشعب وتحقق مصالحه.