ضوء فى آخر النفق
ــ مضت سنوات قبل أن نطل إطلالة أخرى على المبدعين فى المملكة المغربية، من بعد البروفيسور محمد عابد الجابرى، صاحب التجربة الأبرز فى ما عرف بثلاثية نقد العقل العربى. شغلتنا بعده تجربة «الخبز الحافى» للروائى محمد شكرى، وهى رواية أبدعها عام 72 لكنها لم تحدث أصداءها المحركة للمياه الراكدة فى الأدب العربى، إلا عندما تصدى لها المبدع المغربى المعروف الطاهر بن جلون، وكان تصدى لترجمتها للفرنسية فى بداية الثمانينيات.
ــ هنا أطل عليها العالم العربى -وفى القلب منه مصر- وانفجرت معها عناقيد الغضب، عندما قرأها المصريون–مستنيريهم وظلاميهم -واشتعلت كوة النار، التى فتحتها جرأة لغة وصور محمد شكرى، حتى أنها لا تزال علامة فارقة حتى الآن.. لاسيما وأن قانون مقصلة الإبداع الفكرى والأدبى لا يزال جاثمًا على صدورنا، منذ أقصى بالقضاء -والنفى- د.نصر حامد أبوزيد، وما تبع ذلك من ملاحقات طالت كلا من إسلام بحيرى وإبراهيم عيسى وصولًا إلى هتك عرض علنى بقصيدة فاجرة أو«متفحشة»، نظمت بحق الشاعرة أمينة عبد الله..عقابًا لها على ما أوردته فى ديوانها بنات للألم: «يشغلنى كثيرًا أن الله امرأة محبة».
ــ لم تتحرك مياه كثيرة تحت الجسور الإبداعية -على حد علمنا-فلم تكن هناك علامات فارقة فى الفكر والأدب، سوى تلك العلامة البارزة التى صاحبت توزير المفكر الاشتراكى عبدالرحمن اليوسفى فى عهد ملك المغرب محمد السادس (4 فبراير 1998-9 أكتوبر 2002). كانت تلك تجربة فريدة، ذلك أن الرجل كان اشتراكيًا واعتقل وسُجن ونُفى لسنوات، وقُضى بحبسه–بل وبإعدامه- حتى عفا عنه الملك وأعاده من منفاه وزيرًا أول!
ــ فى نهاية التسعينيات وبداية الألفينات تردد إلى مسامعنا محاولات أدبية بازغة لأسماء أخرى مثل فدوى التكتمونى، وقد أتحفتنا أولًا بدراسة نقدية مذهلة عن أحد أعمال الكاتب الكبير أحمد الشيخ، ثم تولت رئاسة جمعية الشعر، ولها قصائد معروفة، أما القانونية القديرة الشاعرة المغربية حنان الوليدى فقد أدهشتنا -وكل متابعيها- بباقات شعرها المضفرة بالعذوبة والجمال، وصولا إلى هذا الصرح الثقافى الجديد الناشئ حديثا باسم المركز الثقافى المغربى -المصرى المستقل C.C.M.E برعاية شاعرات من الوزن الثقيل (رئيسته أستاذ الأدب الفرنسى د.ملكة أكجيل وهى من أشهر الشعراء) ومثل خديجة بوعلى (من دواوينها: أفول المواجع،وأحلام بلون الشفق 2017).
ــ لا شك أنه كان بنظر مؤسسى المركز هذه التجارب الملهمة، وهذه الإيناعات الثقافية والابداعية فى كلا البلدين، والحاجة إلى تعاون ثقافى وثيق، يستطيع من خلاله المبدعون أن يطلوا على نظرائهم فى كلا البلدين، يثقوا فى أن جسور الثقافة هى وحدها عابرة للحدود والمسافات، فكل قصيدة لـ«ملكة أكجيل» أو «حنان الوليدى» أو «خديجة بوعلى» أو «فدوى التكتمونى» تخترق حدود سرعة الشعر وتسير بقوة سرعة الضوء، لتمسك بوجدان المتلقين.. الآلاف ينصتون لأشعار المغاربة العابرة للحدود الأفريقية، مثلما عبرت فرقة الجميزة الغنائية المصرية حدود المحروسة، ليختار المركز الثقافى المغربى المصرى مؤسسها الفنان والشاعر ناصر النوبى مستشارًا ثقافيًّا وليكون حلقة وصل بين ثقافتين وبين إبداعين قواسمهما العروبة والمصير المشترك.