تتجه مصر نحو انتخاب أول مجلس تشريعي عقب ثورة 30 يونيو (مجلس النواب)وذلك عقب فترة غياب للمجلس التشريعي تقارب ثلاث سنوات، وهو المجلس الذي يعقد عليه الشعب المصري آمالاً وطموحات واسعة للتغلب على الصعوبات والتحديات التي تواجه البلاد، وتحسين أحوال المواطنين المعيشية والمساعدة في حل مشكلاتهم اليومية واتخاذ القرارات اللازمة لحماية مصر وأمنها القومي بالتعاون مع السلطة التنفيذية، ويمكن في هذا الإطار الإشارة إلى الملاحظات الأساسية الآتية:
أولاً: سمات وخصائص البرلمان، حيث تأتي الانتخابات البرلمانية في ظروف استثنائية يمر بها الوطن وتحديات متعددة وعلى مستويات مختلفة، ولذلك فمن المرغوب فيه أن يكون النواب المنتخبون في هذا البرلمان على مستوى هذه التحديات ويعملون لمصلحة الوطن ويغلبون المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، ويمكن الإشارة إلى عدد من السمات المتعلقة بهذا البرلمان والمتمثلة فيما يلي:
أ- إن هذا البرلمان يمثل عودة مرة أخرى إلى تطبيق المجلس الواحد في الممارسة البرلمانية عقب فترة من الازدواجية أو الأخذ بنظام المجلسين في السلطة التشريعية حيث تم إلغاء مجلس الشورى والأخذ بنظام المجلس الواحد والذي يفترض فيه القيام أيضاً بالمهام التي كان يقوم بها مجلس الشورى.
ب- مستجدات في النظام الانتخابي، حيث تشهد هذه الانتخابات النيابية بعض مظاهر الجدة ولعل من أهمها إلغاء النسبة التي كانت مخصصة من قبل للعمال والفلاحين وهي نسبة 50%، وتخصيص نسب في القوائم للمرأة والشباب والأقباط، وتخصيص ثمانية مقاعد للمصريين في الخارج وهو ما يحدث لأول مرة في الانتخابات البرلمانية المصرية، بالإضافة إلى الجمع بين نظامي الانتخاب الفردي والانتخاب بالقائمة بعد إبطال المجالس التشريعية التي تشكلت من قبل وفقاً لهذا النظام المختلط في عام 1984 وفي عام 1987 وعقب ثورة 25 يناير، وربما تم التوصل في هذه الانتخابات إلى الصيغة التي تحمي البرلمان من الإبطال، كما تم الأخذ بمعايير الكثافة السكانية وأعداد الناخبين في هذه الانتخابات ولذلك فإن بعض الدوائر في النظام الفردي تمثل بعضو واحد والبعض الآخر يمثل بعضوين أو ثلاثة أعضاء أو أربعة.
ج- ارتفاع حجم المنافسة الانتخابية، حيث يبلغ عدد المرشحين أكثر من ستة آلاف مرشح، بينما يقل عدد أعضاء البرلمان عن ستمائة عضو، مما يعني أن كل مقعد من مقاعد المجلس النيابي يتنافس عليها أكثر من عشرة أعضاء كمتوسط عام مما يعكس ارتفاع درجة المنافسة الانتخابية.
ثانياً: التهديدات التي تواجه البرلمان، حيث يمكن القول إن التهديدات التي تواجه الوطن هي نفسها التهديدات التي تواجه البرلمان القادم والتي يتطلب الأمر اتخاذ القوانين والتشريعات والسياسات اللازمة للتعامل الناجح مع هذه التهديدات وتجنيب الوطن أخطارها وسلبياتها ولعل من أهم هذه التحديات مواجهة الإرهاب ومكافحة الفساد، وإصلاح الجهاز الإداري مما يعاني من سلبيات والمواجهة الناجحة لتحديات التنمية التي تعود بالخير على المصريين جميعا، وربما من أول التحديات التي تواجه البرلمان وعقب افتتاحه مباشرة اختيار الرئيس والوكيلين ورؤساء اللجان وهو ما يمكن أن نطلق عليه التحدي الإجرائي، فضلاً عن تحد تشريعي وهو كيفية التعامل مع القوانين والتشريعات الصادرة في فترة غياب البرلمان ووفقاً للفترة الزمنية القصيرة المحددة بخمسة عشر يوماً، وربما يضاف إلى ذلك أيضاً تحد آخر يتعلق باللائحة الداخلية للمجلس الجديد وبحيث تكون أكثر مناسبة وتعبيراً عن الواقع الجديد الذي تعيشه البلاد.
ثالثاً: المتوقع من المجلس الجديد: فهناك العديد من التوقعات والطموحات من البرلمان الجديد من جانب الشعب المصري ولعل من أهم هذه التوقعات تحويل المبادئ العامة للدستور إلى واقع يشعر به المواطن العادي ويصل إليه في حياته اليومية من خلال التشريعات والقوانين اللازمة وربما يكون مدى النجاح في ذلك هو أحد المعايير الهامة التي يعتمد عليها المواطن في الحكم على البرلمان وقدراته، فالمواطن وفي أي دولة يحكم على أداء البرلمان وأداء الحكومة وأداء النظام ككل بقدر ما يشعر به من تحسن في ظروفه الحياتية والمعيشية وبصفة أساسية خدمات التعليم والصحة والمواصلات وتراجع البطالة وعدم الاكتواء بنيران الأسعار وتطبيق القانون وفقاً لقاعدة المساواة بين الجميع وسهولة التعامل مع الأجهزة الإدارية للدولة، وأيضاً بمقدار تحقيق العدالة الناجزة والسريعة وتوسيع قاعدة العدالة الاجتماعية، ولذلك فقد يكون من المرغوب فيه توسيع القطاعات الشعبية المستفيدة من ثمار التنمية وبحيث تتساقط هذه الثمار على شرائح وقطاعات متعددة ويستفيد منها بصفة خاصة الفئات والمناطق الأكثر فقراً، كذلك من المرغوب فيه إضفاء الطابع المؤسسي على مبادئ وأهداف ثورة 30 يونيو وبحيث تتحول إلى واقع يعيشه المواطن المصري ويشعر بآثاره الإيجابية.
رابعاً: التعاون المنشود بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، فللبرلمان الجديد سلطات واسعة وفقاً لدستور 2014، وهو ما يزيد من مسئولية البرلمان تجاه الشعب الذي يمثله وتجاه الوطن وذلك وفقاً للمبدأ المعروف «حيث توجد السلطة توجد المسئولية» ويتطلب الأمر درجة من درجات التعاون والتآزر بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، فالعلاقة بينهما ليست علاقة تناقض أو تضاد بالضرورة بل هي علاقة تكامل وتعاون لمواجهة التحديات التي تواجه الوطن، فالسلطتان التشريعية والتنفيذية تنتميان في النهاية إلى نظام واحد ويواجهان نفس التحديات ويعملان على تحقيق نفس الهدف وهو مصلحة مصر وشعبها وهذا ما نتوقعه من مجلس تشريعي يأتي بعد ثورتين.
أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض