وزير الثقافة الليبي: موقف مصر تاريخي.. وأولوياتنا وقف الحرب
جلس الوزير الشاعر متكئًا على خاطره، ومزيد من الشجن حين تذكر سنوات ما قبل "ثورة فبراير 2011"، متأسيًا على وطن مزقته الصراعات، مبصرًا شعاع أمل قريب بعد تجرع الشعب الليبي ويلات الانقسام، ومستندًا إلى ثقته في الجيش الوطني الليبي، وقيادته القادرة على حسم الصراع.
من الشعر، والأدب إلى اعتلاء مقعد وزارة الثقافة في الحكومة الليبية المؤقتة جاءت تجربة خامس وزراء الثقافة في مرحلة ليبيا ما بعد القذافي محفوفة بالعراقيل، ومثبتة على قاعدة "أن الثقافة لن تكون أولوية المجتمع خلال تلك الفترة".
يتذكر الوزير جمعة الفاخري "ليبيا" التي لم يلوثها دخان الميليشيات المسلحة، مؤكدًا أن الربيع العربي صار جحيمًا مقيمًا، ويشير إلى أن التجربة الحالية أثرت على الواقع الإبداعي، والثقافي، لكنها ستخلف بالضرورة أدبًا من نوع خاص، وإبداعًا من رحم الأزمة.
وعلى رغم العوائق، فإن الوزير الشاعر يعلق انفراجة الأزمة الراهنة على ضرورة تراجع الأطراف الخارجية عن العبث بالداخل الليبي، ودعم الحكومة الشرعية للبلاد التي يمثلها المشير خليفة حفتر، واصفًا دور مصر تجاه الأزمة الليبية بـ"التاريخي".
عن نتاج مرحلة الانقسام الليبي وأثرها على الحياة الثقافية، وضعية المثقف، وتجاوز الوزارة لأزمة "أدلجة المبدعين"، والتعاون مع وزارة الثقافة المصرية، وتدخلات تركيا على خط الأزمة الليبية، وإبداعاته الخاصة بعد توليه حقيبة وزارية كان لـ"الوفد" هذا الحوار:-
- كيف ترى وجود وزارتين للثقافة في ليبيا، وما أثر ذلك على جهود المثقفين في لم الشمل وإبعاد المبدعين عن حظيرة الانقسام؟
- هذه الجهود المشتتة لو أنها اجتمعت لكانت أكثر فائدة، والآن الفائدة أقل، لكن الجهود لم تذهب سدى، ونتمنى أن تتوحد البلاد تحت مظلة ثقافة واحدة لإعطائنا فرصة لخدمة الإبداع، والمبدعين، وإنعاش الثقافة الليبية.
- إذا سمحت الظروف، فكيف تكون خطتكم لخدمة الثقافة، والمثقفين؟
- في فترة الحرب، فترة حرجة دائمًا، والحكومات التي تعمل في وقت الحروب هي حكومات طوارئ، تعمل لأجل تسيير الأعمال، ونحن نشتغل بالمتاح، ونحاول أن ننقذ ما يمكن إنقاذه في
- كيف تتعامل في ظل قاعدة "أن الثقافة يجب أن تظل بعيدًا عن الأيديولوجيا"لتحقق أثرًا في مثل هذه الأجواء؟
- أنا من موقعي كرئيس للهيئة العامة للإعلام، والثقافة، والمجتمع المدني، أسعى لأن تحتوي الهيئة كل المبدعين الليبين، من دون النظر إلى المدينة، أو الجهة، أو المكان الذي يقيم فيه، ونقيم أعراسًا ثقافية وندعو لها من يستطيع الحضور في بني غازي، ونسعى دائمًا لتوحيد البلاد، والمبدعين، لكن الحرب تلقي بظلال سوداوية على وجوه الناس، وسير الحياة بشكلها الاعتيادي.
- إلى أي مدى ظهر ما يسمى بـ"أدب الأزمة" خلال الفترة الماضية في ليبيا، وما أشهر الأعمال الأدبية؟
- لا شك أن كل مرحلة لها نتاجها الإبداعي، وأبرز الأعمال التي تندرج تحت وصف "أدب الأزمة" في مجال الشعر على سبيل المثال "ديوان فبراير" للسيد راشد السنوسي أبرز شعراء ليبيا، وهو ما يعد مخاضًا واضحًا لثورة فبراير، بينما في مجال الرواية أنتج الروائي محمد الأصفر رواية اسمها "وزارة الأحلام"، والروائي صالح السنوسي أصدر رواية اسمها "يوميات ليلة الحشر".
-هذه الانعكاسات على المشهد، هل ستظل مؤثرة على الواقع الأدبي الليبي؟
- أولًا ندعو الله أن تنقضي الأزمة في أسرع وقت، وبعدها ستتغير الأمور، وسنسعى إلى تفعيل مجموعة من الإجراءات، والمقترحات الثقافية لصالح النشء، والتوجيه، وتنمية مواهب المبدعين.
- هل زيارتك للقاهرة تستهدف معرض الكتاب فقط، أم أن هناك أنشطة أخرى؟
- أنا في هذه الزيارة أمثل ليبيا في العرس الإبداعي الكبير، معرض القاهرة للكتاب، وعلى هامش الزيارة قمنا بحضور بعض الأمسيات، وزيارات للدور الليبية المشاركة دعمًا لها، ونسعى لتعميق العلائق الثقافية بين المبدع الليبي، والمبدع المصري، وشاركنا في بعض الندوات، ولدينا حزمة من الواجبات الثقافية خلال هذه الزيارة، وضم الوفد الليبي كلًا من "المستشار مصطفى السعيقي فنان مسرحي وسيناريست، وناصر الدعيسي مدير إدارة التعاون الدولي، ومالك شريف مدير إدارة الإعلام الخارجي، ورافع الفاخري مدير إدرة التخطيط، والمشروعات بالهيئة، وطارق الجحاوي مدير المكتب الإعلامي بالهيئة، وأريج خطاب أديبة وباحثة، وخليل العريبي نقيب الفنانين في ليبيا، والشاعر راشد الزبير السنوسي".
- وأنت بعيدًا عن المنصب الرسمي، كشاعر وقاص كيف كانت رؤيتك للأزمة؟
- لو أن الأزمة ليبية-ليبية، بلا تدخل من أطراف خارجية كان يمكن حلها بسهولة، ولكن تدخل بعض الأطراف مثل "تركيا، قطر، وإيطاليا" فاقم الأزمة، لأن كل دولة أهدافها الاستيطانية، والبعض يطمع في ثرواتها، ومقدراتها، وتقسيمها إلى ولايات صغيرة..
- لماذا لم يسع المثقفون إلى ثورة ثقافية موازية، لرأب الصدع عقب ثورة فبراير؟
- لأن الميلشيات، والجماعات المتأسلمة، لا يسمعون لصوت العقل، ولا يعنيهم كلمة الحق، ولايلتفتون للثقافة، وينظرون إلى تحقيق أهدافهم بأية وسيلة كانت، ولكن الجيش الليبي لهم بالمرصاد، ويحقق انتصارات كبيرة، ويسيطر على 90% من البلاد، ولولا تدخل أطراف خارجية لسيطر الجيش وحسم المعركة.
-سيؤول الوضع إلى مائدة مفاوضات، فكيف تجمع هذه المائدة من يستمعون لصوت العقل، وآخرون يفضلون مصالحهم الخاصة ؟
-الميلشيات تتبع حكومة الوفاق، وتحركها تركيا وقطر بالمال الفاسد، الذي هو في الأصل سرق من مصرف الليبي المركزي، وهذه أموال ليبيين، سيطرت عليها حكومة السراج، واشتروا مرتزقة، ونقلتهم تركيا من سوريا إلى ليبيا ليخوضوا حربًا بالنيابة عنها ضد الجيش العربي الليبي.
-كيف ترى موقف الجزائر؟
-الجزائر ليست طرفًا محايدًا، ولا نطمئن لتدخلات الحكومة التونسية الحالية بعد وصول قيس بن سعيد للحكم، لأن ثمة مؤامرة تحاك، لكن الساسة والبرلمانيين استنكروا هذا الموقف، وساءلوا الحكومة مساءلة عنيفة، لكن ما يحاك في السر أخطر مما نراه في العلن، هناك مؤامرة تحاك ضد الحكومة الليبية تستهدف دعم هذه الجماعات المؤدلجة، وإرضاء من وراءهم بالمال، والسلاح.
-وما رد فعل الشارع الليبي الآن إزاء ما يجري على الأرض من انقسام، ومؤامرات بحسب رؤيتك؟
- الشارع الليبي قال كلمته، ولا حديث عن انتخابات لأن الميلشيات تسيطر على مقاليد الحياة في العاصمة، البنوك، المطارات، الموانيء، وهذه مشكلة لن تحل إلا باجتثاث الجماعات المسلحة، لأنهم يتكتلون في طرابلس لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في
- وماذا عن الدور الروسي حيال الأزمة؟
- روسيا تبدو وكأنها طرف محايد، لكنها حليف تاريخي لـ"ليبيا"، وتتجه لدعم الحكومة الشرعية، والبرلمان، وسيكون موقفها فاعلًا لصالح الجيش الليبي، وهي دولة عظمى، وموقفها سيكون لصالح الحكومة، والبرلمان.
-كيف تقيم الموقف المصري حيال الأزمة الليبية؟
- الموقف المصري حيال الأزمة الليبية موقف تاريخي، وهذا على مر التاريخ فإن مصر تقف إلى جوار الشعب الليبي في السراء، والضراء، وموقف الرئيس عبدالفتاح السيسي في قمة برلين الأخيرة شاهد على وقفة الشعب المصري إلى جوار شقيقه الشعب الليبي، وكان لوجوده أثر بالغ في ترجيح كفة الحوار لصالح الشعب الليبي الذي يمثله المشير خليفة حفتر، وقلب هناك الطاولة على مؤامرات تركيا، وهذا ما دفع أردوغان إلى الانسحاب قبل البيان الختامي، وهذا دليل على هزيمته للنكراء، وتأكد دعمه للإرهاب من خلال إنزال كثير من المعدات العسكرية والمرتزقة، من خلال المطارات، والموانئ الليبية.
- ما الشق الأكثر فاعلية في الجانب الثقافي الليبي، هل هو النشر، أم المسرح، أم ماذا ؟..
-المشهد الثقافي الليبي يحيا على استحياء، وما الحياة الثقافية إلا جزء من الحياة العامة، فلدينا مسرح مرتجل غير مدعوم من الدولة، وهناك نشر ينفق عليه المبدعون أنفسهم، ولدينا صحافة مرتبكة غير منتظمة، وتعاني من قلة الدعم المادي، ولو أن هناك أولويات فستكون للحاجات الأساسية على رأسها الأمن، والغذاء، والدواء، والأمن يحتل رأس الأولويات نظير تخوف الحكومة من الخلايا النائمة في حربها ضد الإرهاب، وكل هذا يأتي على حساب المنتج الثقافي.
-ما دور وزارة الثقافة في استقدام المثقفين المهاجرين، أو التواصل معهم كقوة ناعمة لدى الدولة الليبية؟
-المبدع لا يحتمل ما حوله من سعير، وكثير من المبدعين يعيشون في مصر، وتونس، والمغرب، وبعض الذين لديهم انتماءات غادروا إلى تركيا، وليس لدينا إحصاء بهذا، لكن الحكومة الليبية عملت على إعادة عدد كبير من النازحين، وتسكينهم مؤقتًا بعيدًا عن مناطق الحروب، كخطوة ناحية المصالحة.
- كيف تقيم وضعية المثقف الآن، ووضعه إبان فترة ما قبل فبراير 2011؟
-خلال مرحلة ما قبل 2011 كان المبدع مقيدًا، لكن التضييق لم يكن على كل المبدعين بشكل عام، وكان هناك وضع مستقر، وإمكانات كبيرة، والمبدع الليبي خلاق، ويستطيع أن يكون فاعلًا في كافة الظروف، وقدم الدعم لبعض الأشخاص مثل إبراهيم الكوني الذي وصل للعالمية بدعم من الدولة.
- ما فرص سيف القذافي إذا خاض تجربة الانتخابات الرئاسية فيما بعد حل الأزمة الراهنة؟
-لا اعتقد، سيف القذافي كان لبعض الوقت جزءًا من النظام السابق، وأتيحت له فرصة للتغيير، ولم تستغل، وأعتقد أن الشعب الليبي سيكون متحفظًا في اختياراته خلال الفترة المقبلة.
- من وجهة نظرك كمثقف عربي، هل تتفق الآن على توصيف فترة ما بعد 2011 بـ"الربيع العربي"؟
- بالطبع لا، الربيع العربي كان جحيمًا حقيقيًا، وهذا المسمى جاء من باب دس السم في العسل، ونجني الآن جراحًا نتاج هذا الاندفاع وراء التغيير، وكان يمكن أن يكون ربيعًا حقيقيًا إذا عاشت الشعوب حياة حرية، واستقرار، لكنها لم تجن إلا التهجير، والدمار، وربما الناجي الوحيد من هذه الأزمة هي مصر.
-ما هي أبرز خطط وزارة الثقافة الليبية خلال الفترة المقبلة؟
- ما نسعى إليه الآن هو إيقاف الحرب، ويجب أن تسخر كل الإمكانات لتلبية احتياجات الناس، ونطمح إلى إقامة نشاطات مشتركة بين مثقفي مصر، وليبيا، واتفقنا مع الجانب المصري على خطط مشتركة أبرزها إقامة مهرجان للشعر العربي، ومهرجان للمسرح المغاربي، وهناك خطة لإقامة نشاط مشترك مع مؤسسة الأهرام تتضمن معرضًا للكتاب، وأمسيات شعرية، وثقافية.
- كيف تأثرت كشاعر ومبدع بتوليك منصبًا حكوميًا؟
-أنت تعرف أن وظيفة كهذه تلتهم الوقت، ولا تترك وقتًا للاعتناء بما يُكتب، وقل الإبداع طبعًا بسبب تداعيات الوظيفة، وأحاول التوفيق بين الوزارة، والكتابة، وصدر لي في معرض الكتاب الحالي مجموعتين قصصتين عن دار "جين" وهي دار نشر مصرية "سما"، و"مراسم اقتراف وطن"، وعن دار البيان "بني غازي" ديوان شعر "ارتكابات باذخة"وهو من شعر الومضة، وديوان "تفضحين مخبأ البرق" من قصائد الهايكو، وأرجو أن أكتب رواية عن هذه المرحلة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض