رحيل عبدالمنعم سعودى ..رافض التطبيع
رحل الدكتور عبد المنعم سعودى رئيس اتحاد الصناعات المصرية السابق وواحد من أبرز رجال الصناعة فى مصر . تولى الرجل رئاسة اتحاد الصناعات خلال الفترة من 1997 الى 2004 وعايش الرجل فترة هامة وخطيرة فى الصناعة المصرية وتابع أزمات اقتصادية وسياسية هامة خلال عهد الرئيس السابق حسنى مبارك .
كتب الرجل مذكراته عن الصناعة والسياسة وهى بحوزة أسرته وهى الوحيدة التى لديها الحق فى نشرها ، لكنه روى لكاتب التقرير بعض حكايات من تلك المذكرات فى جلسات "دردشة " غير رسمية ، واعدا بتفصيلها بشكل موسع فى مذكراته الشخصية .
كان " سعودى " استاذا للاقتصاد بكلية الزراعة جامعة القاهرة قبل أن يقرر فى ظل موجة الانفتاح هجرة العمل الاكاديمى والدخول بقوة الى البزنس . هو واحد من ابناء أسرة متوسطة الحال ، اشتهر بعض افرادها بتجارة السلع الغذائية ، واتصلت جذور العائلة فى المنوفية بحزب الوفد ، كما انخرط عدد من ابناء العائلة فى جماعة الاخوان المسلمين.
كانت مصر فى السبعينيات من القرن الفائت قد شهدت انفتاحا اقتصاديا كبيرا ، وشجع الرئيس الراحل انور السادات مجتمع رجال الاعمال على العودة مرة اخرى الى الاستثمار بقوة بعد مآساة التأميم التى شهدتها الحقبة الناصرية . وفى ذلك الوقت ظهرت كيانات اقتصادية متنوعة وكان عبد المنعم سعودى واحدا من اوائل المستثمرين فى مجال تجارة السيارات . واتجه الرجل بعد سنوات قليلة الى انشاء مصنع لتجميع السيارات فى مصر بدلا من استيرادها كاملة من الخارج . وقد قرأ بحسه الاقتصادى كيف يمكن ان يحقق ذلك ارباحا كبيرة بدلا من الاعتماد على هامش الربح الذى تقرره الشركة المنتجة للوكيل التجارى . وحقق المشروع نجاحا كبيرا دفع كثير من تجار السيارات الى حذو حذوه وانشاء مصانع للتجميع بدلا من الاعتماد على التجارة فقط ، وكانت تلك المشروعات اولى الخطوات الحقيقية لميلاد صناعة تجميع سيارات الركوب فى مصر .
كما كان "سعودى " من أوائل من قاموا باستصلاح الاراضى فى منطقة النوبارية ، ثم حذا حذوه كثير من المستثمرين . ثم كان الرجل من اوائل المستثمرين فى قطاع البنوك من رجال الاعمال وتعددت وتنوعت انشطته من انشطة تجارية وصناعية الى عقارية وخدمية .
وفى التسعينيات سطع اسم الدكتور عبد المنعم سعودى فى دنيا الاعمال وشارك فى تأسيس جمعية مستثمرى 6 اكتوبر ثم أسس رابطة لصناعة السيارات قبل أن يتم اختياره فى سبتمبر عام 1997 رئيسا لاتحاد الصناعات المصرية ، وفيما بعد أسس الرجل بحكم معاملاته مع الشركات اليابانية مجلس الاعمال المصرى اليابانى المشترك .
كانت واحدة من القصص التى رواها لى الدكتور سعودى حول التطبيع مع اسرائيل . لقد كانت هناك جهات ما وافراد معينيين فى الدولة يدفعون الرجل دفعا الى التطبيع . بعث اتحاد الصناعات الاسرائيلى اليه أكثر من مرة يدعوه لزيارة اسرائيل ولكنه رفض رفضا باتا .
وتلقى عروض عديدة ومتنوعة للمشاركة فى معارض ومؤتمرات هناك وتجاهلها . وفى يوم ما عام 1998 ابلغته جهة سيادية أن عليه ان يلتقى برئيس اتحاد الصناعات الاسرائيلى الذى يزور مصر ويتشاور معه حول التعاون الثنائى ورفض . لكنهم أصروا على اللقاء فذهب اليه فى احد فنادق القاهرة ومعه المهندس احمد عز وكان وقتها وكيلا لاتحاد الصناعات . وبعد لقاء دام ساعة ونصف قدم الدكتور " سعودى " رأيه للدولة بخطورة التطبيع فى مجال الصناعة .
لقد كان من رأى الرجل أن التعاون الصناعى مع اسرائيل لن يفيد ، بل على العكس قد يضر ضررا بالغا لأنه سيربط البزنس بالسياسة وسيفتح المجال للاسرائيليين لزيارة مصر والدخول اليها فى أى وقت .
ومن المعروف أن الجاسوس الاسرائيلى عزام عزام دخل الى مصر للتجسس من خلال احدى شركات صناعة المنسوجات كخبير صناعى وهى شركة " دلتا " للملابس والنسيج فى المنطقة الحرة بمدينة نصر ، ومن خلال الشركة بدأ الجاسوس تكوين شبكته ونجح بالفعل فى اصطياد ضحاياه حتى أوقعت به المخابرات المصرية.
ويحكى " سعودى " أنه بعد سنوات فوجىء باللواء احمد عرفه رجل الاعمال الشهير بمدينة العاشر من رمضان يزوره ويخبره ان الدولة كلفته – عرفة – وجلال الذوربا بالتفاوض مع الاسرائيليين لتوقيع اتفاق تجارى يفتح السوق الامريكى امام الملابس والمنسوجات المصرية بشرط احتوائه على مكون اسرائيلى بنسبة 10 % وهو الاتفاق الذى عرف فيما بعد باتفاق " الكويز " . ورفض "سعودى " فكرة التفاوض مع الاسرائيليين وقال ل " عرفه " : حرام يا احمد . الكفن مالوش جيوب .
لكن احدا لم يستمع لكلامه واستمرت المفاوضات جارية بين رجال
ومما يرويه "سعودى " فى مذكراته أنه التقى الرئيس مبارك أول مرة عام 1981 بعد أن تولى الرئاسة باسبوع واحد .. وكان الرئيس قد قرر زيارة الاراضى المستصلحه حديثا فى النوبارية وكان " سعودى " واحدا من المستثمرين فى تلك المنطقة .
وبعد ذلك تكررت اللقاءات واصبح " سعودى " واحدا من رجال الاعمال المصاحبين للرئيس فى رحلاته الخارجية . ويحكى أن الرئيس فى تلك الفترة كان بشوشا وودودا وخفيف الظل ن ويبدى كثير من التواضع والبساطة فى التعامل . وكان ابرز المسافرين مع الرئيس محمود العربى ، محمد فريد خميس ، محمد ابو العينيين وابراهيم كامل . وفيما بعد انضم الى القائمة خالد ابو اسماعيل ، تقى الله حلمى ، واحمد عز ، وشفيق بغدادى .
ويروى "سعودى " ان الغضب لم يعرف طريقه الى وجه الرئيس مبارك الا متأخرا خلال سنوات ما بعد التسعينيات . وكانت أبرز المواقف التى أشعلت غضبه أن خلافات وصراعات رجال الاعمال وصلت الى الصحف فى نهاية التسعينيات من القرن الماضى وهو ما ادى الى تشوية سمعة الاستثمار فى مصر وتم رفع تقارير للرئيس بذلك فقرر تهذيب وتأديب رجال الاعمال فجمعهم فى اجتماع شهير فى خريف عام 1997 بمدينة 6 اكتوبر وتحدث غاضبا ، وقال انه لا يريد ان يرد احدا عليه ووبخهم وقال مهددا : " أنا أأقدر ارجعكم تانى تركبوا البسكيليتة ."
وهاجم الرئيس وقتها مظاهر " الفشخرة " والحفلات الماجنة والصاخبة والجرى خلف الفنانات والسيجار الكوبى وقال إن رجال الاعمال خرجوا عن الحد . وامتد غضب الرئيس وقتها عدة دقائق ولم يسمح لأحد بمقاطعته .
مهمات سياسية
ويحكى عبد المنعم سعودى عن مهمات سياسية لعبها رجال الاعمال والصناعة منها التقارب بين الحكومة المصرية والعراقية فى اواخر عهد صدام حسين . ويكشف الرجل ان تعليمات سياسية صدرت لاتحاد الصناعات لينفذ بعثة تجارية الى العراق فى ابريل عام 2002 بهدف كسر الحصار الاقتصادى المفروض على العراق وفتح صفحة جديدة فى العلاقات بين البلدين بعد سنوات طويلة من المقاطعة .
لقد كان هناك رجال أعمال لعبوا أدوارا جيدة فى التقارب بين البلدين مثل عماد الجلدة ومحمد شتا لكن دخول كيان رسمى كاتحاد الصناعات كان بمثابة نقطة تطور فى تحسين العلاقات .. وبالفعل سافرت بعثة تمثل كافة القطاعات الانتاجية فى مصر الى العراق والتقت بطه ياسين رمضان القيادى البارز فى نظام صدام حسين وتبرع كثير منر جال الاعمال بهدايا عينية الى المسئولين العراقيين والحكومة العراقية لتسهيل مهمتهم .
وقد نجحت البعثة بالفعل فى اعادة فتح السوق العراقى امام السلع والمنتجات المصرية حتى اصبحت مصر فى عام 2003 ثالث اكبر دولة فى العالم تصديرا الى العراق بعد روسيا وفرنسا ، ومثلت الصادرات المصرية الى العراق نحو 35 % من اجمالى صادرات مصر .
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض