تفكك التنظيم الدولي وهزة المرجعية الفكرية.. ماذا يحدث داخل جماعة الإخوان؟
في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها خريطة الجماعات والتنظيمات المتطرفة، تواجه جماعة الإخوان مرحلة بالغة التعقيد، تتجاوز في أبعادها الخلافات التنظيمية والصراعات على النفوذ والقيادة، لتصل إلى جوهر الأفكار والمرجعيات التي استندت إليها الجماعة في بناء هويتها وتشكيل ولاء أعضائها على مدار عقود، فالأزمة التي تعيشها الجماعة لم تعد مجرد انقسام بين قيادات أو تنافس بين أجنحة تسعى للسيطرة على ما تبقى من هيكلها التنظيمي، وإنما باتت تعكس حالة أعمق من التراجع والتفكك، في ظل تزايد الانشقاقات الداخلية، وتراجع قدرة التنظيم على الحفاظ على تماسكه الفكري والتنظيمي، بالتزامن مع الضغوط والتحركات الدولية التي تستهدف أنشطته ووجوده في عدد من الدول.
انتقال الخلافات داخل الجماعة:
وتكتسب هذه التحولات أهمية خاصة مع انتقال الخلافات داخل الجماعة من المستوى التنظيمي إلى مستوى مراجعة الأفكار والمعتقدات التي شكلت أساس الانتماء إليها، خاصة بين بعض العناصر الشابة التي بدأت تعيد تقييم تجربتها السابقة، وتطرح تساؤلات بشأن المرجعيات الفكرية التي تبنتها، ومدى ارتباطها بأفكار وكتابات قيادات ورموز تاريخية داخل التنظيم.
وهو ما يشير إلى أن التحدي الأكبر الذي تواجهه الجماعة لم يعد مقتصرًا على كيفية إعادة ترتيب صفوفها أو تجاوز خلافاتها الداخلية، بل أصبح مرتبطًا بقدرتها على الحفاظ على الأساس الفكري الذي استندت إليه في استقطاب أعضائها وضمان استمرار ولائهم.
يواجه التنظيم الدولي لجماعة الإخوان تحديات متزايدة في ظل التحركات الأوروبية والأمريكية المتعلقة بالتعامل مع الجماعة، وما تضمنته استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الأخيرة من توجهات بشأن تصنيفها، الأمر الذي يضيف أعباء جديدة على نشاط التنظيم الخارجي، ويزيد من تعقيد المشهد أمام قياداته.
وبين الضغوط الدولية والانقسامات الداخلية والمراجعات الفكرية، تتزايد التساؤلات حول مستقبل الجماعة، ومدى قدرتها على تجاوز حالة التفكك التي تمر بها، خاصة مع ظهور مؤشرات على تراجع بعض الشباب عن أفكار كانت تمثل في السابق إحدى الركائز الأساسية للانتماء التنظيمي.
ومن جانبه، أكد عمرو فاروق، الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، أن جماعة الإخوان تمر بحالة من التفكك على أكثر من مستوى، سواء على الصعيد التنظيمي أو الفكري، موضحًا أن التحولات الحالية تعكس تراجعًا واضحًا في بنية الجماعة ومرجعيتها الفكرية، وأن الأزمة لم تعد مجرد خلافات بين قيادات أو أجنحة متنافسة، وإنما امتدت إلى الأسس الفكرية التي قام عليها التنظيم.
التنظيم الدولي يواجه بدوره حالة من التعثر:
وأوضح فاروق أن التنظيم لم يعد له وجود فعلي داخل الدولة المصرية، مشيرًا إلى أن التنظيم الدولي يواجه بدوره حالة من التعثر، في ظل الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها دول الاتحاد الأوروبي، إلى جانب التوجهات التي تضمنتها استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الأخيرة بشأن تصنيف الجماعة، وهو ما يضع نشاط التنظيم الخارجي أمام تحديات إضافية.
وأضاف الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة أن الجانب الأكثر أهمية في المرحلة الحالية يتمثل في تعرض المرجعية الفكرية لجماعة الإخوان لهزة كبيرة، مع تراجع ما وصفه بـ«العقد الفكري» الذي كان يمثل أحد أهم عوامل تماسك أعضائها وارتباطهم بالتنظيم، لافتًا إلى أن الانشقاقات الأخيرة داخل صفوف الجماعة تعكس جانبًا من حجم التحولات التي تشهدها بنيتها الداخلية.
وأشار إلى أن بعض شباب الجماعة بدأوا بالفعل في إجراء مراجعات ذاتية لأفكارهم ومعتقداتهم، وهي مراجعات لا تتوقف عند حدود الخلافات التنظيمية أو تقييم أداء القيادات، ولا تقتصر على ما تبقى من الكيان التنظيمي، وإنما تمتد إلى إعادة النظر في الأفكار والمرجعيات التي تبناها التنظيم على مدار سنوات.
ولفت فاروق إلى أن هذه المراجعات تشمل بصورة خاصة أفكار سيد قطب، التي مثلت إحدى أبرز المرجعيات الفكرية للجماعة، موضحًا أن بعض الشباب بدأوا يتراجعون عن الإيمان بهذه الأفكار، وهو ما يعكس تحولًا يتجاوز الانشقاق التنظيمي إلى مراجعة أعمق للأسس الفكرية والمعتقدية التي ارتبطوا بها خلال فترة انضمامهم للجماعة.