من صلح الحديبية إلى مراسلة ملوك العالم.. كيف انتقلت الدعوة النبوية للعالمية؟
كشف الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، تفاصيل انتقال الدعوة النبوية إلى مرحلة العالمية، عقب صلح الحديبية، موضحًا كيف أسهمت نتائج الصلح في تثبيت دولة المدينة وتهيئة الأجواء أمام النبي ﷺ لمخاطبة ملوك العالم وأمرائه، وإرسال رسائله إليهم لدعوتهم إلى الإسلام.
جاء ذلك عبر صفحته الرسمية على موقع فيسبوك، حيث تناول الأحداث التي أعقبت صلح الحديبية، واستكمال قصة أبي بصير وأبي جندل رضي الله عنهما، وصولًا إلى بداية مرحلة جديدة في السنة السابعة للهجرة، شهدت اتساع نطاق الدعوة النبوية خارج الجزيرة العربية.
قصة أبي بصير وأبي جندل
وتناول علي جمعة استكمال قصة أبي بصير وأبي جندل رضي الله عنهما بعد صلح الحديبية، موضحًا كيف تطورت الأحداث بعدما أصبح المسلمون المستضعفون الذين خرجوا من مكة يشكلون تهديدًا لطريق تجارة قريش، الأمر الذي دفعها إلى طلب ضمهم إلى المدينة وإنهاء المشكلة التي ترتبت على شرط إعادة من يأتي مسلمًا من مكة.
وأشار إلى أن هذا التطور أدى إلى سقوط الأثر العملي لهذا الشرط، بعد أن طلبت قريش نفسها إنهاء العمل به، لتُختتم بذلك أحداث السنة السادسة للهجرة وما شهدته من تداعيات صلح الحديبية.
من تثبيت دولة المدينة إلى مخاطبة ملوك العالم
وأوضح مفتي الجمهورية السابق أن السنة السابعة للهجرة شهدت بداية مرحلة جديدة في مسار الدعوة الإسلامية، تمثلت في توسيع نطاقها خارج الجزيرة العربية، بعدما منح نجاح صلح الحديبية الدولة الإسلامية قدرًا من الاستقرار مكّنها من الانتقال من تثبيت وجودها في محيطها العربي إلى مخاطبة العالم.
وفي هذا السياق، أرسل النبي ﷺ كتبه ورسله إلى عدد من الملوك والأمراء، فبعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي، وحاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس حاكم مصر، كما أرسل كتابه إلى كسرى ملك فارس، في خطوة عكست عالمية الرسالة الإسلامية وعدم اقتصارها على مكة والمدينة والقبائل العربية.
موقف المقوقس وكسرى من رسائل النبي ﷺ
وتطرقت الحلقة إلى موقف المقوقس حاكم مصر من رسالة النبي ﷺ، حيث استقبلها وأرسل هدايا إلى رسول الله، كان من بينها مارية القبطية رضي الله عنها، كما تناولت موقف كسرى ملك فارس، الذي مزق كتاب النبي ﷺ، فدعا عليه رسول الله ﷺ بأن يمزق الله ملكه.
وتكشف هذه المواقف اختلاف ردود أفعال الحكام تجاه الدعوة النبوية؛ فمنهم من احترم الرسالة وأحسن استقبالها، ومنهم من رفضها، ومنهم من قابلها بالتمزيق، رغم وحدة الدعوة التي حملتها رسائل النبي ﷺ.
دروس مستفادة من صلح الحديبية
وفي سياق حديثه عن فقه السيرة، أوضح علي جمعة أن الشروط التي تبدو شديدة في بدايتها قد تتحول إلى مكاسب بعيدة المدى إذا أُديرت بالصبر والوفاء بالعهد، مؤكدًا أن الاتفاقات ليست غاية في ذاتها، وإنما وسائل لتحقيق المصالح، ويمكن تعديلها بالاتفاق بين أطرافها إذا تغيرت الظروف.
وأشار إلى أن الوفاء بالعهد لا يتعارض مع تطوير الاتفاق نفسه بالطرق المشروعة، وأن نجاح صلح الحديبية منح الدولة الإسلامية فرصة للاستقرار والتفرغ لمهمة أوسع، تمثلت في دعوة الملوك والحكام خارج الجزيرة العربية.
كما أبرز أهمية حسن اختيار السفراء والرسل، إذ أرسل النبي ﷺ رجالًا يمتلكون القدرة على الحوار والتواصل مع البيئات التي بُعثوا إليها، وهو ما يعكس جانبًا من حسن السياسة النبوية في إدارة العلاقات مع الدول والشعوب.
كيف مهد صلح الحديبية للمرحلة التالية من الدعوة؟
وأكدت الحلقة أهمية قراءة أحداث السيرة النبوية باعتبارها وحدة متصلة، إذ أسهم صلح الحديبية في إيقاف جبهة قريش وفتح المجال أمام الدعوة الخارجية، ثم مهدت هذه التطورات للتحرك نحو خيبر.
وتبرز هذه المرحلة كيف انتقلت الدعوة الإسلامية من مرحلة تثبيت دولة المدينة والدفاع عن وجودها إلى إعلان عالمية الرسالة، ومخاطبة الملوك والأمراء، بما يعكس اتساع نطاق الدعوة النبوية وتنوع وسائل تبليغها.