الذهب بين ضغوط الفائدة ومكاسب المستثمرين.. ماذا ينتظر المعدن الأصفر؟
قالت الدكتورة شيماء وجيه الخبيرة الاقتصادية، إن التراجع الأخير في أسعار الذهب لا ينبغي النظر إليه باعتباره هبوطا مؤقتا في قيمة المعدن الأصفر، لكنه يعكس تغيرا أوسع في توجهات المستثمرين وإعادة ترتيب أولوياتهم الاستثمارية، في ظل التطورات التي تشهدها الأسواق العالمية، وتغير التوقعات المتعلقة بأسعار الفائدة الأمريكية وقوة الدولار والعوائد على أدوات الدين، فضلًا عن اتجاه عدد من المستثمرين إلى جني الأرباح بعد الارتفاعات الكبيرة التي سجلها الذهب خلال الفترات الماضية.
أسباب تراجع أسعار الذهب
وأضافت وجيه في تصريحها لـ"الوفد"، أن جاذبية الذهب ترتبط بصورة كبيرة بتكلفة الاحتفاظ به مقارنة بالأصول الاستثمارية الأخرى، باعتباره معدنا لا يحقق عائدا دوريا، وهو ما يجعله أكثر تأثرا بالتغيرات في أسعار الفائدة والعوائد على الاستثمارات المقومة بالدولار، مشيرة إلى أن ارتفاع توقعات العائد على أدوات الدين، أو استمرار السياسة النقدية الأمريكية المتشددة لفترة أطول، قد يدفع المستثمرين إلى توجيه جزء من أموالهم إلى أدوات استثمارية توفر عائدا مباشرا، على حساب الذهب.
وأكدت الخبيرة الاقتصادية، أن قوة الدولار تعد من العوامل الرئيسية المؤثرة في حركة المعدن الأصفر عالميا، إذ يؤدي ارتفاع العملة الأمريكية في كثير من الأحيان إلى زيادة تكلفة شراء الذهب بالنسبة للمستثمرين الذين يتعاملون بعملات أخرى، وهو ما قد يحد من مستويات الطلب العالمي ويزيد من الضغوط على الأسعار.
وأضافت أن موجات التراجع ترتبط أيضا بعمليات جني الأرباح، خاصة بعد الارتفاعات القياسية التي حققها الذهب، حيث يسعى بعض المستثمرين إلى بيع جانب من حيازاتهم للاستفادة من المكاسب السعرية التي تحققت، وإعادة توظيف السيولة في فرص استثمارية أخرى، وهو ما يؤدي إلى زيادة المعروض البيعي في الأسواق، حتى مع استمرار وجود عوامل تدعم المعدن على المدى الطويل.
وشددت على ضرورة التفرقة بين التراجعات الناتجة عن تحركات المستثمرين قصيرة الأجل والتصحيحات السعرية المرتبطة بتغير التوقعات الاقتصادية، وبين حدوث تحول جوهري في مكانة الذهب داخل الأسواق العالمية، لافتة إلى أن أهمية المعدن الأصفر لا تقتصر على التحركات المضاربية أو ارتباطه بأسعار الفائدة، لكنه يحتفظ بدوره كأداة للتحوط في مواجهة المخاطر الجيوسياسية ومعدلات التضخم وتقلبات أسعار العملات.
ولفتت إلى أن مشتريات البنوك المركزية تمثل أحد العناصر المهمة في دعم الطلب الاستراتيجي على الذهب، في إطار سعي هذه المؤسسات إلى تنويع احتياطياتها وتقليل الاعتماد على عملة واحدة، وهو ما يمنح المعدن الأصفر أهمية تتجاوز التحركات اليومية للأسعار.
وعلى صعيد السوق المصرية، أوضحت وجيه، أن تحديد أسعار الذهب محليا يخضع لمجموعة من العوامل، في مقدمتها السعر العالمي للأوقية وسعر صرف الجنيه أمام الدولار، إلى جانب تكاليف الاستيراد وحجم المعروض ومستويات الطلب داخل السوق، مؤكدة أن انخفاض الأسعار العالمية لا يعني بالضرورة حدوث تراجع مماثل في السوق المحلية، إذ يمكن لتحركات سعر الصرف أو زيادة الطلب أن تحد من تأثير الهبوط العالمي، في حين قد تتسع الانخفاضات المحلية إذا تراجع السعر العالمي بالتزامن مع استقرار سعر الصرف وضعف الطلب.
وأكدت أن الخسائر التي يتعرض لها الذهب خلال فترات التصحيح السعري لا تعني انتهاء دوره الاستثماري أو تراجع أهميته كملاذ للتحوط، موضحة أن المعدن الأصفر يظل أحد الأصول التي تتأثر بتغيرات الأسواق وإعادة تقييم المستثمرين لمستويات المخاطر والعائد والسيولة.
وأشارت إلى أن تحديد اتجاه الذهب خلال الفترة المقبلة سيظل مرتبطا بعدة متغيرات، أبرزها قرارات السياسة النقدية الأمريكية، وتحركات الدولار، ومستويات العائد الحقيقي، وتطورات الأوضاع الجيوسياسية، فضلا عن استمرار توجه البنوك المركزية نحو تعزيز احتياطياتها من المعدن الأصفر.
وأضافت أن التعامل مع التراجعات الحالية يتطلب التمييز بين الاستثمار طويل الأجل والمضاربة قصيرة الأجل، إذ تتيح الانخفاضات السعرية فرصة لبعض المستثمرين لإعادة بناء مراكزهم تدريجيا، لكنها لا تعني بالضرورة أن الأسعار وصلت إلى أدنى مستوياتها أو أن موجة الصعود ستبدأ بصورة مؤكدة، مشددة على أهمية تنويع المحافظ الاستثمارية وتوزيع المخاطر، وتجنب اتخاذ قرارات الشراء أو البيع بصورة متسرعة تحت تأثير تقلبات الأسعار اللحظية.
واختتمت مؤكدة أن الذهب لا يزال يحتفظ بمكانته في النظام المالي العالمي، لكن التغيرات الراهنة تعكس إعادة تقييم الأسواق للسعر المناسب للاحتفاظ به، وفقا للموازنة بين عوامل الأمان والعائد والسيولة.