هل يجوز الجمع بين الصلوات بسبب ظروف العمل؟
الجمع بين الصلوات بسبب ظروف العمل من المسائل التي تثير تساؤلات لدى كثير من الموظفين وأصحاب المهن التي تتطلب البقاء في مواقع العمل لساعات طويلة، خاصة في الحالات التي يصعب فيها التوقف لأداء الصلاة في وقتها، مثل الأطباء داخل غرف العمليات وأصحاب الأعمال الشاقة. فهل يجوز شرعًا الجمع بين الصلوات بسبب العمل؟ وما الحالات التي تبيح ذلك؟
وأكدت دار الإفتاء المصرية أن الشريعة الإسلامية تقوم على التيسير ورفع الحرج عن المكلفين، وأن هناك حالات يجوز فيها الجمع بين الصلوات في الحضر عند وجود حاجة أو مشقة معتبرة، وفق ضوابط شرعية تمنع اتخاذ الجمع عادة دون سبب.
الشريعة الإسلامية قائمة على التيسير ورفع الحرج
أوضحت دار الإفتاء المصرية أن التيسير ورفع الحرج من المبادئ الأساسية في الشريعة الإسلامية، وهو ما تؤكده نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، إذ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28].
كما استدلت الدار بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ»، وبالقاعدة الفقهية التي تقرر أن «المشقة تجلب التيسير»، بما يؤكد مراعاة الشريعة لأحوال الناس وظروفهم، ورفع المشقة الزائدة عنهم.
ومن صور التيسير التي أقرتها الشريعة الجمع بين الصلوات في أحوال مخصوصة، وفق ما ورد في السنة النبوية وما قرره الفقهاء.
هل يجوز الجمع بين الصلوات في الحضر دون سفر؟
استندت دار الإفتاء إلى ما رواه الإمامان البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى بالمدينة سبعًا وثمانيًا، أي جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء.
وفي رواية أخرى قال ابن عباس رضي الله عنهما إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر، ولما سئل عن سبب ذلك قال: «أراد أن لا يحرج أمته».
وفسر العلماء هذا الحديث بأنه يدل على مراعاة التيسير ورفع المشقة عن المسلمين، وقد ذهب عدد من أهل العلم إلى جواز الجمع في الحضر عند الحاجة، ومنهم ابن سيرين وربيعة وأشهب وابن المنذر والقفال الكبير وابن شبرمة، مع اختلاف الفقهاء في ضوابط هذه الرخصة.
حكم الجمع بين الصلوات بسبب العمل
أوضحت دار الإفتاء أن بعض فقهاء الحنابلة أجازوا الجمع بين الصلاتين لأصحاب الأعمال التي يصعب معها التوقف، مثل الطباخ والخباز ومن يخشى على ماله أو معيشته الضرر إذا ترك العمل لأداء الصلاة في وقتها.
ونقل الإمام المرداوي في كتابه «الإنصاف» عن الإمام أحمد جواز الجمع في الحضر عند الضرورة، مثل المرض أو الشغل، كما نقل اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية جواز الجمع للطباخ والخباز ونحوهما ممن يخشى فساد ماله أو مال غيره بترك العمل.
وبناءً على ذلك، يمكن أن يدخل في هذه الحالات بعض أصحاب المهن والوظائف التي تتطلب استمرار العمل، إذا ترتب على التوقف ضرر أو مشقة معتبرة لا يمكن دفعها بطريقة أخرى.
هل يجوز للطبيب الجمع بين الصلوات أثناء العمليات الجراحية؟
من الحالات التي تناولتها الفتوى عمل الأطباء الذين يضطرون إلى البقاء داخل غرف العمليات لفترات طويلة، إذ قد تستغرق الجراحة وقت الصلاة كله، ويكون الخروج منها أو إيقافها متعذرًا لما قد يترتب عليه من خطر على حياة المريض.
وفي هذه الحالة يجوز للطبيب الجمع بين الصلاتين عند الضرورة، لأن المحافظة على حياة المريض من المقاصد الضرورية التي اعتنت بها الشريعة الإسلامية، ولا يجوز تعريضه للخطر بسبب ترك العملية أو تعطيلها.
وعليه، إذا اضطر الطبيب إلى الاستمرار في غرفة العمليات طوال وقت الصلاة، ولم يتمكن من أدائها في وقتها بسبب طبيعة العمل المتواصل، جاز له الجمع بين الصلاتين دون حرج.
ما شروط الجمع بين الصلاتين؟
أشارت الفتوى إلى أن جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة يشترطون نية الجمع، كما يشترطون عدم الفصل بين الصلاتين بفاصل طويل عند الجمع في وقت الصلاة الأولى، مع وجود اختلاف بينهم في توقيت النية وتفاصيلها.
فعند المالكية تكون نية الجمع في أول الصلاة الأولى، بينما يرى الشافعية في أحد القولين أنها تكون قبل الفراغ من الصلاة الأولى، وهو القول الأصح عندهم، وللحنابلة تفصيل يختلف بحسب ما إذا كان الجمع في وقت الصلاة الأولى أو الثانية.
أما الفصل بين الصلاتين، فيشترط الجمهور ألا يكون طويلًا عند الجمع في وقت الصلاة الأولى، ويُرجع في تقدير الفصل اليسير والطويل إلى العرف والعادة، مع وجود تفاصيل فقهية تختلف بين المذاهب.