بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الحصبة ليست طفحًا جلديًا عابرًا.. استشاري يحذر من مضاعفات خطيرة ويكشف أسرار مأمونية اللقاح

بوابة الوفد الإلكترونية

حذر الدكتور إسلام عنان، استشاري اقتصاديات الصحة والسياسات الصحية، من الاستهانة بمخاطر الإصابة بمرض الحصبة، مؤكدا أنها من أشد الأمراض المعدية، ولا تقتصر خطورتها على ارتفاع درجة الحرارة وظهور الطفح الجلدي، وإنما قد تمتد إلى مضاعفات صحية خطيرة تشمل الالتهاب الرئوي والتهاب الدماغ وفقدان السمع والعمى، وقد تصل إلى الوفاة.


وأوضح عنان أن المصاب بالحصبة يمكنه نقل العدوى إلى ما بين 12 و18 شخصًا غير محصنين، كما يستطيع الفيروس البقاء معلقا في هواء الأماكن المغلقة لمدة تصل إلى ساعتين بعد مغادرة المصاب، وهو ما يجعل سرعة انتشار المرض أحد أبرز التحديات أمام جهود الوقاية منه.


وأشار إلى أن من أخطر تداعيات الحصبة ما يُعرف بفقدان الذاكرة المناعية، إذ يهاجم الفيروس جزءا من الأجسام المضادة التي كوّنها الطفل نتيجة تعرضه السابق للعدوى أو التطعيمات، ما يضعف قدرته على مقاومة أمراض أخرى.
وفيما يتعلق بالحصبة الألمانية، لفت إلى أن خطورتها لا ترتبط فقط بأعراضها لدى الأطفال، التي غالبا ما تكون بسيطة، وإنما تمتد إلى النساء الحوامل، خاصة خلال الأشهر الأولى من الحمل، حيث قد تؤدي الإصابة إلى متلازمة الحصبة الألمانية الخلقية، وما يصاحبها من عيوب بالقلب وفقدان السمع والبصر وتأخر النمو، فضلًا عن احتمالات الإجهاض أو وفاة الجنين.
59 مليون حياة أنقذها التطعيم
وكشف عنان أن بيانات منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن لقاح الحصبة أسهم في إنقاذ نحو 59 مليون حياة خلال الفترة من عام 2000 حتى 2024، مع تراجع الوفيات الناتجة عن المرض بنسبة 88%، من نحو 780 ألف حالة في عام 2000 إلى 95 ألف حالة في عام 2024.
ورغم هذا التراجع الكبير، عادت الإصابات إلى الارتفاع عالميا، لتسجل نحو 11 مليون إصابة خلال عام 2024، نتيجة انخفاض معدلات التغطية بالتطعيم في بعض المجتمعات، وهو ما يعكس أهمية الحفاظ على مستويات مرتفعة من التحصين للوصول إلى المناعة المجتمعية المطلوبة.
وأوضح أن لقاح الحصبة بدأ استخدامه عام 1963، تلاه لقاح الحصبة الألمانية عام 1969، ثم جرى دمجهما مع لقاح النكاف ضمن التطعيم الثلاثي عام 1971، مشيرًا إلى أن اللقاح يعتمد على فيروسات حية موهنة، جرى إضعاف قدرتها على إحداث المرض مع الاحتفاظ بقدرتها على تحفيز الجهاز المناعي لإنتاج الأجسام المضادة وخلايا الذاكرة المناعية.


وتبلغ فاعلية الجرعة الأولى من لقاح الحصبة نحو 93%، وترتفع إلى قرابة 97% بعد استكمال الجرعتين، بينما توفر جرعة لقاح الحصبة الألمانية حماية طويلة الأمد.
حقيقة مكونات اللقاح وشائعات التوحد
وحول المخاوف المثارة بشأن مكونات اللقاح، أوضح استشاري اقتصاديات الصحة أن الجرعة تبلغ نصف ملليلتر، وتحتوي على فيروسات الحصبة والحصبة الألمانية الموهنة، إلى جانب مواد مساعدة للحفاظ على استقرار اللقاح وفاعليته، من بينها الجيلاتين المتحلل والسوربيتول والأحماض الأمينية، وآثار ضئيلة من مضاد النيومايسين، فضلًا عن الماء المعقم المستخدم في التحضير.
وأكد أن اللقاح لا يحتوي على الألومنيوم أو الزئبق أو الفورمالديهايد أو الكلور، وأن المستحضرات المستخدمة تخضع لاشتراطات الجودة والسلامة والرقابة، مع ضرورة الالتزام الكامل بسلسلة التبريد خلال النقل والتخزين.
وفيما يتعلق بالشائعات التي تربط التطعيم بالتوحد، نفى عنان وجود أي دليل علمي يثبت هذه العلاقة، موضحًا أن مصدر الشائعة دراسة نشرت عام 1998 وشملت 12 طفلًا، قبل أن يتم سحبها بعد ثبوت وجود تلاعب في بياناتها.
وأضاف أن الدراسات العلمية واسعة النطاق، ومن بينها دراسة دنماركية تابعت أكثر من 650 ألف طفل، لم تثبت وجود علاقة بين التطعيم والإصابة بالتوحد، كما نفى صحة ما يتردد بشأن خلط لقاح الحصبة والحصبة الألمانية بلقاحات كورونا، مؤكدًا أن لكل لقاح تركيبته وتصنيعه واعتماداته المستقلة.
لماذا تتكرر جرعة التطعيم خلال الحملات القومية؟
وأوضح عنان أن الحصول على الجرعتين المقررتين ضمن برنامج التطعيمات الروتينية يوفر حماية لنحو 97% من الأطفال، إلا أن هناك نسبة محدودة قد لا تستجيب مناعيًا بالشكل الكافي، فضلًا عن الأطفال الذين لم يحصلوا على الجرعات المقررة أو فاتتهم بعض التطعيمات.
ومن هنا تأتي أهمية الحملات القومية التي تستهدف الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الأطفال، ورفع معدلات التغطية بالتطعيم إلى مستويات تقترب من 95%، بما يعزز المناعة المجتمعية ويحد من انتقال العدوى.
وشدد على أن الجرعة الإضافية التي يحصل عليها الطفل خلال الحملة لا تمثل خطرًا لمجرد تلقيه التطعيم سابقًا، كما أن جرعة الحملة لا تُغني عن الجرعات الروتينية المقررة، التي يجب الحصول عليها وفق الجدول الزمني المحدد.
وحول بدء التطعيم من عمر 9 أشهر، أوضح أن ذلك يرتبط بوجود أجسام مضادة تنتقل من الأم إلى الرضيع، وقد تؤثر في استجابة جهازه المناعي للقاح خلال الأشهر الأولى من العمر.
كما أشار إلى أن تحديد الفئة العمرية المستهدفة حتى 10 سنوات يرتبط بتوقيت الحملات السابقة والفئات التي لم تشملها عمليات التحصين، موضحًا أن جرعة اللقاح ثابتة لجميع الأطفال وتبلغ نصف ملليلتر، ولا تختلف باختلاف الوزن.
وبشأن الأطفال الذين يعانون ضعف السمع، أكد أن وجود آثار ضئيلة للغاية من النيومايسين باللقاح لا يعني تعرضهم لمخاطر سمعية، موضحًا أن المانع الأساسي يتعلق بوجود حساسية شديدة من هذه المادة، وليس مجرد ضعف السمع، خاصة أن الإصابة بالحصبة والحصبة الألمانية قد تحمل بدورها مخاطر ومضاعفات تؤثر في حاسة السمع.
المناعة بالتطعيم أكثر أمانا من الإصابة بالمرض
وشدد عنان على أن الاعتماد على الإصابة الطبيعية لاكتساب المناعة ضد الحصبة يمثل مخاطرة صحية كبيرة، نظرا لاحتمالات التعرض للالتهاب الرئوي والتهاب الدماغ وفقدان السمع والوفاة، فضلًا عن الأضرار التي قد تلحق بالذاكرة المناعية.
وأوضح أن التطعيم يمنح الجهاز المناعي فرصة للتعرف على الفيروس والاستعداد لمواجهته دون تعريض الطفل لمخاطر الإصابة بالمرض ومضاعفاته، لافتا إلى أن اللقاحات المستخدمة ليست تجارب جديدة على الأطفال، إذ يمتد استخدام لقاح الحصبة لأكثر من 60 عامًا، وأُعطيت منه مليارات الجرعات حول العالم.
*21 مليون طفل مستهدفون بالحملة القومية في مصر*
وتأتي هذه التوضيحات بالتزامن مع إطلاق وزارة الصحة والسكان الحملة القومية للتطعيم ضد الحصبة والحصبة الألمانية في 25 أكتوبر الجاري، والتي تستمر لمدة ثلاثة أسابيع، وتستهدف نحو 21 مليون طفل من المصريين وغير المصريين المقيمين في مصر، بداية من عمر 9 أشهر وحتى 10 سنوات.
وتوفر الوزارة نحو 23 مليون جرعة من اللقاح الثنائي ضد الحصبة والحصبة الألمانية، من خلال أكثر من 14 ألف فرقة تطعيم موزعة على المحافظات الـ27، وتشمل أماكن تقديم الخدمة الوحدات والمراكز الصحية ومكاتب الصحة، والمدارس الحكومية والخاصة والدولية والمعاهد الأزهرية والحضانات، إلى جانب الفرق المتنقلة.
وتُقدم جميع التطعيمات بالمجان، ويمكن للأسر الاستفسار عن تفاصيل الحملة وأماكن تقديم الخدمة من خلال الخط الساخن لوزارة الصحة والسكان 105.
وأكد عنان أن الحملة تمثل خطوة مهمة للحفاظ على ما حققته مصر من إشهاد دولي بالقضاء على الانتقال المستوطن للحصبة والحصبة الألمانية، مشددًا على أن تطعيم الأطفال لا يقتصر أثره على حمايتهم بصورة فردية، بل يمتد إلى حماية الرضع الذين لم يبلغوا سن التطعيم، والفئات التي تحول ظروفها الصحية دون الحصول عليه، وكذلك النساء الحوامل وأجنتهن.
واختتم بالتأكيد على أن الالتزام بالتطعيم مسؤولية مجتمعية، وأن الحفاظ على المناعة الجماعية يتطلب مشاركة الأسر في الحملات القومية، إلى جانب الانتظام في التطعيمات الروتينية، لمنع عودة انتشار أمراض يمكن الوقاية منها.