لماذا لا يعرف الشرق الأوسط طريق السلام؟.. خبير يكشف
تتواصل أزمات الشرق الأوسط في ظل تداخل الصراعات التاريخية مع التحديات السياسية والعسكرية والاستراتيجية التي تشهدها المنطقة، وسط مخاوف متزايدة من اتساع نطاق التوترات وتأثيرها على أمن الدول العربية واستقرارها ومصالحها الاقتصادية.
ومنذ عقود، لا تزال القضية الفلسطينية تمثل محورًا رئيسيًا في معادلة الصراع الإقليمي، في ظل تعثر جهود التسوية السياسية، واستمرار الخلافات بشأن إقامة دولة فلسطينية مستقلة، إلى جانب ما تثيره التحركات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية والعربية من تداعيات على فرص تحقيق سلام شامل ومستدام.
ولا تقتصر تعقيدات المشهد الإقليمي على الصراع العربي الإسرائيلي وحده، بل تمتد إلى التنافس بين القوى الإقليمية، وتداخل المصالح السياسية والعسكرية، وتزايد أهمية الممرات البحرية الاستراتيجية التي تمر عبرها نسبة كبيرة من حركة التجارة وإمدادات الطاقة العالمية.
وتبرز أهمية مضيقي هرمز وباب المندب باعتبارهما من أبرز نقاط الارتكاز في منظومة الأمن البحري العالمي، إذ يمكن لأي اضطراب في حركة الملاحة بهما أن ينعكس على سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة والاقتصادات المختلفة، فضلًا عن تأثيراته على أمن الدول المطلة على هذه الممرات.
وتزداد أهمية هذه الملفات في ظل ارتباط الأمن القومي العربي بالتطورات الجارية في محيط المنطقة، وما تفرضه من تحديات تتطلب تنسيقًا سياسيًا واستراتيجيًا، إلى جانب تعزيز قدرات الدول على حماية حدودها وسيادتها ومصالحها الحيوية.
كما يظل تحقيق الاستقرار مرتبطًا بقدرة الأطراف المعنية على معالجة جذور الأزمات، والانتقال من دورات التصعيد والتهدئة المتكررة إلى مسارات سياسية تضمن الحقوق المشروعة للشعوب، وتحد من احتمالات اندلاع مواجهات جديدة.
وفي هذا الإطار، طرح اللواء أركان حرب محمد قشقوش، مستشار الأكاديمية العسكرية العليا للدراسات الاستراتيجية، رؤية بشأن جذور أزمات الشرق الأوسط وتطورات الصراع العربي الإسرائيلي، متناولًا تداعيات التوسع الإسرائيلي، ودور إيران في التوازنات الإقليمية، وأهمية حماية الممرات البحرية، فضلًا عن مفهوم الأمن القومي وعلاقته بالاستقرار والتنمية.
شدد على أن التوصل إلى حل الدولتين يمثل، من وجهة نظره، المدخل الأساسي لتحقيق السلام في المنطقة، محذرًا من استمرار الصراع في ظل غياب تسوية سياسية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية.
الصراع العربي الإسرائيلي
قال اللواء أركان حرب محمد قشقوش إن جذور أزمات الشرق الأوسط ترتبط بالصراع العربي الإسرائيلي، الذي تعود إحدى محطاته الرئيسية إلى قرار تقسيم فلسطين الصادر في 29 نوفمبر 1947، معتبرًا أن القرار لم يحقق العدالة للشعب الفلسطيني، وأسهمت تداعياته التاريخية في تشكيل مسار الصراع الذي لا تزال المنطقة تعاني من آثاره حتى اليوم.
وأوضح قشقوش، خلال لقائه على قناة «مودرن إم تي آي»، أن استمرار الصراع يرتبط بمجموعة من العوامل السياسية والتاريخية، مشيرًا إلى أن التحركات الإسرائيلية في الأراضي العربية تمثل، وفق تقييمه، أحد الأسباب الرئيسية التي تعرقل فرص الوصول إلى تسوية شاملة وتؤدي إلى استمرار التوترات الإقليمية.
وأشار إلى احتلال هضبة الجولان والإعلان الإسرائيلي عن ضمها عام 1981، إلى جانب التطورات العسكرية في لبنان والامتداد إلى مناطق جنوب نهر الليطاني، معتبرًا أن هذه التحركات تعكس تعقيدات المشهد الأمني والسياسي في المنطقة.
وأضاف أن استمرار التوسع الإسرائيلي، وما أشار إليه من ارتباط بعض دوافعه باعتبارات دينية، يزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية مستقرة، ويجعل فرص إنهاء الصراع مرهونة بمعالجة جذوره الأساسية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
دور إيران في التوازنات الإقليمية
وتطرق مستشار الأكاديمية العسكرية العليا للدراسات الاستراتيجية إلى التحولات التي شهدتها المنطقة عقب الثورة الإيرانية عام 1979، موضحًا أنها مثلت محطة مهمة في تطور العلاقات والتوازنات الإقليمية، مع اتساع الدور الإيراني في دعم عدد من القوى والأطراف في الشرق الأوسط.
وأشار إلى حزب الله وحركة حماس وجماعة الحوثيين ضمن الأطراف التي تناولها في سياق الحديث عن النفوذ الإيراني، لافتًا إلى أن تداخل المصالح الإقليمية والدعم العسكري والسياسي لبعض القوى يسهم في تعقيد الأزمات القائمة، ويؤثر على فرص التوصل إلى تفاهمات تسهم في خفض التوترات.
وتعكس هذه التطورات، بحسب ما طرحه قشقوش، أهمية دراسة العلاقات بين القوى الإقليمية وتأثيرها على أمن الدول العربية، خاصة في ظل ارتباط بعض الملفات الأمنية بالصراعات الممتدة في أكثر من ساحة، وما يترتب على ذلك من تحديات تتعلق بالاستقرار الإقليمي وحماية المصالح الوطنية.
مضيقا هرمز وباب المندب
وأكد قشقوش أن الشرق الأوسط يتمتع بأهمية جيوستراتيجية كبيرة، في ضوء موقعه الجغرافي ودوره في حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، مشيرًا إلى أن المنطقة تحتل مكانة مؤثرة في معادلات أمن الطاقة، وهو ما يجعل تأمين الممرات البحرية الرئيسية مسألة تتجاوز الحسابات الإقليمية إلى نطاق المصالح الدولية.
وأوضح أن مضيقي هرمز وباب المندب يمثلان نقطتين استراتيجيتين مهمتين لحركة الملاحة البحرية، نظرًا لدورهما في نقل الطاقة والبضائع بين مناطق مختلفة من العالم، مؤكدًا أن أي اضطراب في حركة العبور بهما قد يفرض تحديات على التجارة الدولية وأسواق الطاقة.
وتكتسب هذه الممرات أهمية إضافية في ظل ارتباطها بمصالح اقتصادية وأمنية متعددة، إذ يمكن أن تؤدي التهديدات التي تواجه السفن التجارية إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، واضطراب سلاسل الإمداد، وزيادة الضغوط على الأسواق العالمية.
ومن ثم، فإن حماية الملاحة البحرية تتطلب تعاونًا إقليميًا ودوليًا، إلى جانب التعامل مع الأسباب السياسية والأمنية التي تؤدي إلى تصاعد التوترات، بما يضمن استمرار حركة التجارة والطاقة دون تهديدات تؤثر على استقرار الاقتصاد العالمي.
الأمن القومي ركيزة أساسية للاستقرار والتنمية
وفي حديثه عن مفهوم الأمن القومي، أوضح قشقوش أنه يرتبط بالحفاظ على كيان الدولة وحدودها وسيادتها، وقدرتها على مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية التي يمكن أن تؤثر على استقرارها ومصالحها الحيوية.
وأكد أن الاستقرار الأمني يمثل أحد الشروط الأساسية لتحقيق التنمية الاقتصادية وتحسين مستوى معيشة المواطنين، موضحًا أن الدول تحتاج إلى بيئة مستقرة ومؤسسات قادرة على إدارة الموارد ومواجهة التحديات، حتى تتمكن من تحقيق النمو وتعزيز الرفاهية.
وأشار إلى تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تأسس اتحادها عام 1971، باعتبارها نموذجًا إقليميًا لبناء كيان اتحادي جمع إمارات عدة ضمن دولة واحدة، بما يعكس أهمية العمل المؤسسي والتعاون في بناء الدول وتعزيز استقرارها.
ويبرز هذا الطرح أهمية التكامل بين الجوانب الأمنية والسياسية والاقتصادية، إذ لا يقتصر مفهوم الأمن القومي على حماية الحدود فقط، بل يشمل أيضًا الحفاظ على مقومات الدولة وقدرتها على مواصلة التنمية ومواجهة الأزمات دون الإضرار بمصالح المواطنين.
حل الدولتين الطريق نحو سلام مستدام
وشدد اللواء أركان حرب محمد قشقوش على أن تحقيق السلام في الشرق الأوسط يتطلب التوصل إلى حل الدولتين، بما يضمن إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، معتبرًا أن غياب تسوية عادلة للقضية الفلسطينية سيبقي المنطقة عرضة لدورات متكررة من الصراع والتصعيد.
وأوضح أن الدول العربية أبدت استعدادها للاعتراف بإسرائيل في إطار تسوية تقوم على حل الدولتين، مشيرًا إلى أن الوصول إلى سلام مستدام يتطلب معالجة القضية الفلسطينية بصورة تضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وتوفر أسسًا واضحة للتعايش والاستقرار.
وحذر من أن استمرار رفض إقامة دولة فلسطينية والتمسك بصيغ سياسية لا تفضي إلى تسوية عادلة قد يؤدي إلى استمرار حالة عدم الاستقرار، ويحد من فرص الانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على التعاون والتنمية بدلًا من المواجهات المتكررة.
ويظل حل الدولتين أحد المسارات المطروحة دوليًا لإنهاء الصراع، إلا أن تحقيقه يرتبط بتجاوز الخلافات السياسية والأمنية، وتوافر إرادة حقيقية للتفاوض، إلى جانب وجود ضمانات عملية تساعد على تنفيذ أي اتفاق والوصول إلى سلام قابل للاستمرار.
استهداف الحوثيين للسعودية
وفيما يتعلق بالتطورات الأمنية، انتقد قشقوش استهداف جماعة الحوثيين للمملكة العربية السعودية، معتبرًا أن تبرير هذه التحركات بنصرة قطاع غزة لم يعد مقنعًا، وفق تقييمه خلال اللقاء، خاصة في ضوء التطورات التي أشار إليها بشأن توقف العمليات العسكرية في القطاع.
وأضاف أن التحركات العسكرية للحوثيين ترتبط، بحسب رؤيته، بالدعم الإيراني، مشيرًا إلى أن القدرات العسكرية التي تمتلكها الجماعة تعكس، في تقديره، حجم الدعم والإمكانات التي حصلت عليها، بما في ذلك ما نسبه إلى الحرس الثوري الإيراني.
وتسلط هذه التصريحات الضوء على تشابك الملفات الأمنية في المنطقة، حيث تتداخل الأزمة الفلسطينية مع التوترات في البحر الأحمر والخليج العربي، وتنعكس التطورات في إحدى الساحات على حسابات الأمن والاستقرار في ساحات أخرى.
وتبرز هذه المعطيات أهمية العمل على احتواء التصعيد، وتجنب اتساع نطاق المواجهات، وتعزيز المسارات السياسية التي تحد من فرص انتقال الصراعات إلى مناطق جديدة، بما يحافظ على أمن الدول العربية ويقلل من التداعيات الاقتصادية والأمنية للتوترات الإقليمية.