كيف تكتشف الخبر الكاذب؟ عمرو الليثي يحدد مفاتيح المناعة الإعلامية
حذر الإعلامي عمرو الليثي من تصاعد مخاطر التضليل الإعلامي وانتشار الأخبار المضللة عبر المنصات المختلفة، مؤكدًا أن أخطر ما يواجه المجتمعات اليوم ليس نقص المعلومات، بل تراجع الثقة فيها، رغم تعدد المصادر وسهولة الوصول إليها، مشددًا على ضرورة امتلاك "المناعة الإعلامية" للتمييز بين الحقائق والشائعات والتحقق من المعلومات قبل تصديقها أو إعادة نشرها.
وأوضح الليثي أن المواطن الذي يسعى إلى معرفة حقيقة حدث ما قد يجد نفسه أمام روايات متباينة؛ إذ تقدم القنوات الرسمية رواية، وتتناول القنوات الخاصة الحدث من زاوية مختلفة، بينما تنفي قنوات معارضة بعض ما ورد في الروايات السابقة، ليجد نفسه بعد ذلك أمام عشرات المقاطع والمنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، يزعم أصحابها كشف الحقيقة التي لا يريدونك أن تعرفها.
وتساءل عن كيفية تعامل المواطن مع هذا التدفق المتضارب من المعلومات، والجهة التي يمكنه الوثوق بها في ظل تعدد الروايات واختلاف المعالجات الإعلامية، لافتًا إلى أن كثرة المصادر لم تعد بالضرورة تعني سهولة الوصول إلى الحقيقة.
وأشار إلى أن التضليل لم يعد يعتمد على أساليب بدائية، بل تطور ليستخدم وسائل أكثر تعقيدًا، في ظل إمكانية التلاعب بالصور واجتزاء مقاطع الفيديو من سياقها، إلى جانب صياغة عناوين توحي بمعانٍ تختلف عما تتضمنه التفاصيل، فضلًا عن قدرة تقنيات الذكاء الاصطناعي على إنتاج صور وأصوات ومقاطع مصورة تبدو حقيقية، رغم أن الوقائع التي تصورها لم تحدث من الأساس.
ولفت الليثي إلى ضرورة التعامل مع وسائل الإعلام الدولية بوعي نقدي، وعدم افتراض حيادها المطلق أو اعتبارها بمنأى عن المصالح السياسية، موضحًا أن لكل دولة سياساتها وتحالفاتها وحساباتها، وقد تنعكس هذه الاعتبارات بدرجات متفاوتة على طريقة تناول الأحداث وتقديمها للجمهور.
وأكد أن المشكلة لا تكمن في امتلاك المؤسسة الإعلامية وجهة نظر أو تبنيها معالجة معينة، وإنما في تقديم الرأي باعتباره الحقيقة الوحيدة، دون إتاحة المجال لفهم مختلف جوانب الحدث أو التمييز بين الوقائع والتقديرات.
وشدد على أهمية تعزيز "المناعة الإعلامية"، باعتبارها وسيلة لحماية الأفراد من التضليل، داعيًا إلى طرح مجموعة من الأسئلة قبل تصديق أي خبر، تشمل تحديد مصدر المعلومة، والأدلة التي تستند إليها، ومدى تأكيدها من مصادر مستقلة أخرى، والتحقق من اكتمال الصور ومقاطع الفيديو وعدم اجتزائها، إلى جانب التساؤل عن الجهة المستفيدة من نشر الخبر بهذه الصيغة وفي هذا التوقيت.
وأوضح أن التحقق من المعلومات يتطلب كذلك التمييز بين الواقعة والرأي والتفسير، مشيرًا إلى أن ارتفاع سعر سلعة بنسبة محددة يمثل واقعة يمكن التحقق منها، بينما تحديد أسباب الارتفاع والمسؤول عنه يدخل في نطاق التفسير الذي قد تتعدد بشأنه الآراء.
وحذر من الخلط بين هذه المستويات، عندما يقدم البعض تفسيره الخاص للأحداث باعتباره حقيقة ثابتة لا تقبل النقاش، مؤكدًا أن هذا الخلط يسهم في تشويه فهم الجمهور للوقائع ويزيد من فرص انتشار المعلومات المضللة.
ودعا الليثي المؤسسات الإعلامية المهنية إلى تخصيص مساحات واضحة للتحقق من الأخبار والشائعات، وتوضيح الحقائق للجمهور، مع ضرورة الاعتراف بالأخطاء وتصحيحها عند وقوعها، معتبرًا أن الاعتراف بالخطأ لا ينتقص من مصداقية المؤسسة، بل يمكن أن يعزز ثقة الجمهور بها.
كما أكد أهمية وعي المواطنين بمسؤوليتهم تجاه ما ينشرونه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، موضحًا أن إعادة مشاركة خبر دون التحقق من صحته قد تجعل صاحبه شريكًا في نشر معلومة كاذبة، حتى إن لم يكن يقصد التضليل.
وأكد الليثي أن الحقيقة لم تمت، لكنها أصبحت محاطة بقدر كبير من الضجيج والمصالح والشائعات، مشددًا على أن المهارة الأهم في عصر تدفق المعلومات لا تتمثل في معرفة الخبر قبل الآخرين، بل في القدرة على التحقق من صحته قبل تصديقه أو المساهمة في انتشاره.