أول طبيبة مصرية.. كيف غيرت هيلانة سيداروس تاريخ الطب؟
من بعثة دراسية في الرياضيات إلى ريادة طب النساء والتوليد، صنعت الدكتورة هيلانة سيداروس واحدة من أبرز قصص النجاح في تاريخ المرأة المصرية، بعدما أصبحت أول طبيبة مصرية تتخصص في هذا المجال، وتولت إدارة مستشفى كتشنر بالقاهرة، قبل أن تؤسس عيادتها الخاصة في باب اللوق، لتترك إرثًا طبيًا وإنسانيًا امتد لعقود، حتى رحيلها في 15 أكتوبر 1998 عن عمر ناهز 94 عامًا.
ذكرى وفاة هيلانة سيداروس أول طبيبة مصرية
تحل اليوم الخميس 15 أكتوبر 2026 ذكرى رحيل الدكتورة هيلانة سيداروس، التي توفيت في مثل هذا اليوم عام 1998، بعد مسيرة حافلة بالإنجازات الطبية والعمل الوطني والخيري.
ويبرز اسم هيلانة سيداروس بين الشخصيات النسائية الرائدة في التاريخ المصري، إلى جانب أمينة السعيد التي تُعرف بريادتها في الصحافة، ومفيدة عبد الرحمن التي ارتبط اسمها بريادة المرأة في مهنة المحاماة.
واكتسبت سيداروس مكانتها باعتبارها أول طبيبة مصرية، ومن رائدات تخصص أمراض النساء والتوليد في مصر والشرق الأوسط، فضلًا عن إسهاماتها في إجراء جراحات النساء والتوليد، وافتتاح عيادة خاصة بهذا التخصص.
من هي الدكتورة هيلانة سيداروس؟
ولدت هيلانة سيداروس عام 1904 في مدينة طنطا بمحافظة الغربية، وبدأت رحلتها التعليمية في وقت كانت فيه فرص الفتيات في مواصلة الدراسة والعمل بالمهن المتخصصة محدودة.
والتحقت بالقسم الداخلي في مدرسة السنية الثانوية للبنات بالقاهرة، حيث أظهرت اهتمامًا واضحًا بالدراسة، خاصة علم الرياضيات الذي كان يمثل طموحها التعليمي في بداية حياتها.
ومع تفوقها الدراسي، أتيحت لها فرصة السفر إلى إنجلترا ضمن بعثة تعليمية، لتبدأ مرحلة جديدة شكلت نقطة تحول رئيسية في مسيرتها العلمية والمهنية.
كيف تحولت هيلانة سيداروس من الرياضيات إلى دراسة الطب؟
سافرت هيلانة سيداروس إلى إنجلترا بهدف استكمال دراستها في الرياضيات، لكنها فوجئت بأن البرنامج التعليمي المتاح لها لن يحقق المستوى العلمي الذي كانت تطمح إليه.
ورفضت الاستمرار في دراسة رأت أنها لا تتناسب مع طموحاتها، وطالبت بالعودة إلى مصر، تعبيرًا عن اعتزازها بنفسها ورفضها قبول فرصة تعليمية محدودة.
وأمام هذا الموقف، عرض عليها المستشار الثقافي المصري في لندن الانضمام إلى بعثة جديدة لدراسة الطب، ضمن مشروع يستهدف إعداد طبيبات مصريات للعمل في مستشفى كتشنر.
ووافقت هيلانة على تغيير تخصصها، لتبدأ رحلتها في دراسة الطب بدلًا من الرياضيات، وتفتح لنفسها طريقًا جديدًا نحو الريادة في مجال أمراض النساء والتوليد.
هيلانة سيداروس تتخرج في مدرسة لندن الطبية للنساء عام 1929
التحقت هيلانة سيداروس بمدرسة لندن الطبية للنساء، حيث واصلت دراستها حتى حصلت على التأهيل الطبي عام 1929، قبل أن تكمل عامها الخامس والعشرين.
وكان انتقالها إلى دراسة الطب خطوة مهمة في مسيرتها، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بدخول المرأة المصرية هذا المجال خلال تلك الفترة.
وعبّرت هيلانة سيداروس عن طبيعة المهنة التي اختارتها بمقولة ارتبطت بسيرتها: "الطب مهنة صعبة تحتاج إلى تضحيات كثيرة، وبدون الرغبة الشديدة في دراسته يصعب الاستمرار فيها".
عودتها إلى مصر والعمل في مستشفى كتشنر
عادت هيلانة سيداروس إلى مصر عام 1930، حاملة شهادتها الطبية، وبدأت العمل في مستشفى كتشنر بمنطقة شبرا بالقاهرة، المعروف حاليًا باسم مستشفى شبرا العام.
وكان العمل بالمستشفى جزءًا من المشروع الذي استهدف إعداد كوادر طبية مصرية، وخاصة من النساء، لتولي مسؤوليات الرعاية الصحية وعلاج المريضات.
وأثبتت هيلانة كفاءتها خلال عملها، ما مهد الطريق أمامها لتولي مسؤوليات أكبر داخل المستشفى، في مرحلة مهمة من تاريخ مشاركة المرأة المصرية في القطاع الطبي.
هيلانة سيداروس أول طبيبة مصرية تتولى إدارة مستشفى كتشنر
حققت هيلانة سيداروس إنجازًا جديدًا عندما أصبحت أول طبيبة مصرية تتولى إدارة مستشفى كتشنر، بعد مغادرة الطبيبة الإنجليزية التي كانت تعمل بالمستشفى في ذلك الوقت.
ومثّل توليها هذه المسؤولية خطوة بارزة في مسيرتها، إذ انتقلت من ممارسة الطب إلى قيادة العمل الطبي داخل إحدى المؤسسات الصحية بالقاهرة.
وأسهم هذا الإنجاز في ترسيخ مكانتها بين رائدات الطب المصري، وأكد قدرة الطبيبات المصريات على تولي المسؤوليات المهنية والإدارية في المستشفيات.
أول عيادة خاصة لهيلانة سيداروس في باب اللوق
لم تتوقف مسيرة هيلانة سيداروس عند العمل داخل المستشفيات، بل افتتحت عيادة خاصة لأمراض النساء والتوليد في منطقة باب اللوق بالقاهرة، لتصبح من أوائل الطبيبات المصريات اللاتي خضن تجربة ممارسة الطب بصورة مستقلة.
وساعدها في تأسيس العيادة الدكتور عبد الله الكاتب، بدعم من الدكتور نجيب باشا محفوظ، أحد رواد علم أمراض النساء والتوليد في مصر.
وشكل افتتاح العيادة مرحلة جديدة في مشوارها المهني، أتاحت لها الاستمرار في تقديم الرعاية الطبية للنساء، إلى جانب عملها في المؤسسات الصحية.
هيلانة سيداروس تجري جراحات النساء والتوليد بالمستشفى القبطي
مارست الدكتورة هيلانة سيداروس جراحات النساء والتوليد داخل المستشفى القبطي بالقاهرة، في إطار عملها الطبي المتخصص.
وجاء ذلك بدعم من الدكتور نجيب باشا محفوظ، الذي ارتبط اسمه بتطوير تخصص أمراض النساء والتوليد في مصر.
كما عرض عليها الدكتور علي بك فؤاد العمل في مجال رعاية الطفولة، ضمن مسيرتها التي جمعت بين علاج النساء والاهتمام بصحة الأطفال.
ومن بين أوائل الأطفال الذين ولدوا على يديها الدكتور طارق علي حسن، نجل صديقتها الدكتورة زينب كامل حسن، إحدى الرائدات في علم الكيمياء.
مشاركة هيلانة سيداروس في ثورة 1919
لم تقتصر إسهامات هيلانة سيداروس على المجال الطبي، بل امتدت إلى النشاط الوطني منذ سنوات عمرها المبكرة.
فقد شاركت في مظاهرات النساء والفتيات خلال ثورة 1919، عندما كانت تبلغ نحو 15 عامًا، في وقت شهدت فيه مصر مشاركة واسعة من النساء في الحركة الوطنية المناهضة للاحتلال الإنجليزي.
واستمرت هيلانة في الاهتمام بالقضايا الوطنية، وشاركت في الاجتماعات النسائية التي كانت تُعقد في بيت الأمة تحت قيادة صفية زغلول.
كما انضمت إلى جمعية هدى شعراوي، ضمن مشاركتها في الحركة النسائية المصرية التي ارتبطت بالنضال الوطني والمطالبة بتوسيع دور المرأة في المجتمع.
العمل الخيري في حياة هيلانة سيداروس بعد اعتزال الطب
واصلت هيلانة سيداروس ممارسة مهنة الطب حتى تقدمت في العمر، قبل أن تتخذ قرارًا بالاعتزال بعد سنوات طويلة من العمل في المستشفيات والعيادات.
وبعد اعتزالها، اتجهت إلى العمل الخيري والاجتماعي من خلال الجمعية القبطية الخيرية، التي واصلت فيها أنشطتها رغم تقدمها في السن.
واهتمت خلال تلك المرحلة بترجمة القصص الأجنبية المصورة للأطفال، في تجربة جديدة ابتعدت بها عن ممارسة الطب، لكنها احتفظت من خلالها باهتمامها بخدمة الآخرين.
واستمرت في الأنشطة الخيرية خلال سنوات شيخوختها، لتجمع مسيرتها بين العمل الطبي والنشاط الوطني والخدمة المجتمعية.
وفاة هيلانة سيداروس في 15 أكتوبر 1998
رحلت الدكتورة هيلانة سيداروس في 15 أكتوبر 1998، عن عمر بلغ 94 عامًا، بعد رحلة بدأت من مدينة طنطا ووصلت إلى دراسة الطب في إنجلترا، ثم العمل في المستشفيات المصرية وافتتاح عيادة خاصة لأمراض النساء والتوليد.
وتركت وراءها سيرة ارتبطت بعدد من المحطات المهمة في تاريخ الطب المصري، أبرزها حصولها على التأهيل الطبي عام 1929، وعودتها إلى مصر عام 1930، وتوليها إدارة مستشفى كتشنر، ومشاركتها في تطوير ممارسة طب النساء والتوليد.
وظلت تجربتها مثالًا على إسهامات المرأة المصرية في المجالات العلمية والمهنية، بعدما ساعدت إنجازاتها في تمهيد الطريق أمام أجيال لاحقة من الطبيبات.