بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

أحد أبطال أكتوبر: صمدنا في موقع كبريت 134 يومًا ونجحنا في تحلية مياه البحيرات

الدكتور محمد نور
الدكتور محمد نور الدين

كشف الدكتور محمد نور الدين، أحد أبطال حرب أكتوبر وقائد سرية باللواء 130 مشاة أسطول، تفاصيل الصمود داخل موقع كبريت خلال حرب أكتوبر 1973، موضحا أن القوات المصرية تمسكت بالموقع رغم الحصار ونقص الإمدادات والاشتباكات المتواصلة، واستطاعت التغلب على أزمة نقص مياه الشرب من خلال ابتكار وسيلة لتحلية مياه البحيرات المرة.

وقال نور الدين إن هزيمة يونيو 1967 تركت آثارا عميقة في نفوس المصريين، سواء داخل القوات المسلحة أو بين أبناء الشعب، وهو ما دفع الدولة إلى العمل على إعادة بناء الجيش ورفع كفاءته القتالية، بالتوازي مع تكثيف برامج التدريب وتأهيل الضباط لاستيعاب الأسلحة والتكتيكات العسكرية الحديثة.

وأضاف أن حرب الاستنزاف مثلت مرحلة أساسية في إعداد القوات المسلحة لمعركة أكتوبر، إذ أتاحت للجنود والضباط اكتساب الخبرة العملية في المواجهات العسكرية، والتدرب على التعامل مع العدو في ظروف القتال الحقيقية، مؤكدا أن الاستعداد للنصر لم يبدأ يوم السادس من أكتوبر فقط، وإنما سبقه جهد طويل في بناء القوات والتدريب والتخطيط.

وأوضح أنه كان ضمن اللواء 130 مشاة أسطول، وهو تشكيل عسكري ضم وحدات من المشاة والصاعقة والدبابات البرمائية، إلى جانب وحدات أخرى، مشيرا إلى أن التدريبات التي خاضها أفراد اللواء في مناطق مختلفة كانت شاقة، رغم عدم معرفة الجنود في البداية بطبيعة المهمة التي يستعدون لتنفيذها.

واستعاد نور الدين كلمات الفريق سعد الدين الشاذلي، الذي أخبر أفراد اللواء قبل الحرب بأنهم سيكونون «الشماعة اللي هيتعلق عليها النصر»، موضحا أن هذه العبارة ظلت عالقة في ذاكرته، وأنهم أدركوا معناها مع بدء تنفيذ المهمة المكلفين بها خلال الحرب.

وأشار إلى أن قوات اللواء تحركت بعد التمهيد النيراني لعبور قناة السويس، وانطلقت من منطقة البحيرات المرة، فيما توزعت بعض وحداته على محاور مختلفة، من بينها ممر متلا وممر الجدي، بهدف تعطيل تقدم القوات الإسرائيلية قدر الإمكان، لحين الانتهاء من إنشاء الكباري التي تسمح بعبور الدبابات والمدرعات والمعدات الثقيلة.

وأكد أن من أبرز المحطات التي عاشها أفراد اللواء التمسك بموقع كبريت، الذي اكتسب أهمية استراتيجية بسبب موقعه بين الجيشين الثاني والثالث، موضحا أن القوات المصرية ظلت في الموقع تحت الحصار، وواجهت هجمات جوية ومحاولات متكررة من القوات الإسرائيلية لاقتحامه.

وأضاف أن الموقع تعرض لقصف مكثف بالطيران الإسرائيلي، بينما حاولت القوات المعادية التقدم ليلا، إلا أن المدافعين عنه تمكنوا من التصدي لمحاولات الاقتحام وإلحاق خسائر بالدبابات الإسرائيلية، مستفيدين من مواقعهم الدفاعية وقدرتهم على التعامل مع الهجمات المتكررة.

وتابع أن استمرار الحصار أدى إلى تراجع الإمدادات وارتفاع أعداد المصابين، فضلا عن تضرر الخدمات الطبية داخل الموقع، وهو ما دفع القوات إلى البحث عن وسائل لإجلاء الجرحى والتواصل مع قيادة الجيش الثالث للحصول على الاحتياجات الضرورية، في ظل المخاطر التي كانت تحيط بكل تحرك خارج الموقع.

وأوضح نور الدين أن الموقف الإنساني داخل كبريت كان من أصعب التحديات، إذ كان المصابون يتنازلون عن أولوية الإجلاء لزملائهم الذين يرون أنهم أكثر احتياجا للعلاج، في صورة عكست روح التضحية والتكاتف بين الجنود. وأشار إلى أن أفرادا من الموقع تطوعوا لتنفيذ مهمة نقل الجرحى رغم احتمال تعرضهم للنيران وعدم ضمان عودتهم، حتى نجحوا في الوصول بهم إلى القوات المصرية.

تحلية مياه البحيرات المرة لإنقاذ الجنود من العطش

وأكد نور الدين أن أزمة المياه كانت من أخطر المشكلات التي واجهت القوات داخل موقع كبريت، إذ لم يكن نقص الطعام وحده هو التحدي، وإنما كانت الحاجة إلى مياه صالحة للشرب تمثل تهديدا مباشرا لقدرة الجنود على مواصلة الصمود.

وقال إنه تلقى تكليفا من الشهيد المقدم إبراهيم عبد التواب، قائد الموقع، بالبحث عن حل لمشكلة المياه، ففكر في الاستفادة من مياه البحيرات المرة عن طريق تسخينها وتحويلها إلى بخار، ثم تكثيف البخار للحصول على مياه خالية من الأملاح.

وأضاف أن المحاولات الأولى لم تكن ناجحة، إذ ظهرت مشكلة تسرب الأملاح إلى المياه الناتجة عن عملية التقطير، ما تسبب في إحباط الجنود الذين كانوا يعانون العطش. وبعد مراجعة طريقة التنفيذ، تبين أن امتلاء الوعاء بالمياه بصورة زائدة أدى إلى انتقال قطرات المياه المالحة مع البخار، فجرى تعديل الطريقة حتى أمكن الحصول على مياه صالحة للشرب.

واستطرد أن نجاح التجربة مثّل نقطة تحول مهمة داخل الموقع، خاصة بعد أن تأكد القائد إبراهيم عبد التواب من صلاحية المياه للشرب، مشيرا إلى أن هذه الوسيلة ساعدت الجنود على مواصلة الصمود رغم الحصار ونقص الإمدادات.

كما روى نور الدين جانبا من الحياة اليومية داخل الموقع، موضحا أن القائد كان حريصا على رفع الروح المعنوية للجنود، وأن خطبه خلال صلاة الجمعة لم تكن تقتصر على الحديث عن القتال والصمود، وإنما تناولت أيضا بر الوالدين والأمل في العودة إلى الأسر، بما ساعد على التخفيف من آثار الحصار النفسي والإنساني.

واختتم شهادته بالإشارة إلى أن القوات المصرية ظلت متمسكة بموقع كبريت حتى تسليمه في 18 فبراير، مستعيدا ذكرى الشهيد إبراهيم عبد التواب ومواقفه مع جنوده، مؤكدا أن ما جرى داخل الموقع يجسد روح التضحية والإصرار التي ميزت أبطال أكتوبر.

اللواء هشام سلطان: نصر أكتوبر بدأ بإعادة بناء القوات المسلحة وحرب الاستنزاف مهدت للعبور

أكد اللواء أركان حرب مهندس هشام سلطان، أحد قيادات قوات الدفاع الجوي السابقين، أن نصر أكتوبر 1973 كان نتيجة سنوات من إعادة بناء القوات المسلحة والتدريب المكثف والتخطيط العسكري، إلى جانب حرب الاستنزاف التي أسهمت في إعداد القوات المصرية للمواجهة واستعادة الأرض.

وأوضح سلطان أن آثار حرب يونيو 1967 دفعت المصريين إلى التمسك بهدف استعادة سيناء، مشيرا إلى أن عددا من المجندين وضباط الاحتياط استمروا في الخدمة العسكرية لسنوات طويلة، تجاوزت في بعض الحالات مدد التجنيد المعتادة، انطلاقا من شعورهم بالمسؤولية تجاه الوطن ورغبتهم في استعادة الأرض.

وقال إن حرب الاستنزاف كانت مدرسة عملية للقوات المسلحة، إذ شهدت مواجهات متواصلة على جبهة قناة السويس، وأسهمت في رفع الكفاءة القتالية للقوات واختبار قدراتها، بالتزامن مع إنشاء قوات الدفاع الجوي وتطوير منظوماتها لمواجهة التفوق الجوي الإسرائيلي.

وأضاف أن إنشاء قوات الدفاع الجوي كفرع مستقل في القوات المسلحة مثّل خطوة مهمة في بناء القدرة على حماية القوات المصرية أثناء العمليات، مشيرا إلى أن إنشاء حائط الصواريخ تطلب جهودا كبيرة وتضحيات من العسكريين والمدنيين، في ظل تعرض مواقع العمل لهجمات جوية إسرائيلية.

وأشار سلطان إلى أن اكتمال حائط الصواريخ وتطوير قدرات الدفاع الجوي ساهما في توفير الحماية للقوات المصرية خلال حرب أكتوبر، والحد من قدرة الطيران الإسرائيلي على التدخل في منطقة العمليات، بما أتاح للقوات البرية تنفيذ مهامها في ظروف أكثر ملاءمة.

الخداع الاستراتيجي ومعركة العقول

وتحدث سلطان عن دور الخداع الاستراتيجي والمخابرات في الإعداد للحرب، موضحا أن التخطيط المصري لم يقتصر على الاستعداد العسكري المباشر، وإنما شمل إجراءات هدفت إلى إخفاء نية الهجوم وإرباك تقديرات القيادة الإسرائيلية.

وأضاف أن بعض التحركات والإجراءات التي سبقت الحرب أسهمت في تعزيز الاعتقاد لدى الجانب الإسرائيلي بأن القوات المصرية ليست على وشك بدء مواجهة واسعة، مشيرا إلى أن المعلومات التي جمعتها أجهزة المخابرات عن مواقع العدو وقدراته وتحركاته كانت من العناصر المهمة في التخطيط للعمليات.

وأكد أن معركة أكتوبر كانت نموذجا لتكامل العمل العسكري والاستخباراتي، حيث تضافرت جهود القوات المسلحة مع التخطيط الدقيق والخداع الاستراتيجي لتحقيق عنصر المفاجأة.

وأوضح أن ساعة الصفر حُددت في الثانية وخمس دقائق ظهر السادس من أكتوبر 1973، في توقيت غير معتاد للهجمات العسكرية آنذاك، وتزامنت مع الضربة الجوية والتمهيد النيراني، ثم بدأت القوات المصرية اقتحام قناة السويس وعبور الساتر الترابي، بمشاركة المهندسين العسكريين الذين استخدموا خراطيم المياه لفتح الثغرات اللازمة لمرور القوات والمعدات.

وأشار إلى أن منظومة الدفاع الجوي أدت دورا مهما في حماية القوات المصرية خلال العبور، مؤكدا أن نجاح العملية لم يكن نتيجة سلاح واحد، وإنما جاء ثمرة التنسيق بين القوات الجوية والمدفعية والدفاع الجوي والمهندسين العسكريين والقوات البرية والبحرية.

كما لفت إلى الدور الذي قامت به القوات البحرية المصرية في إغلاق مضيق باب المندب، معتبرا أن العمليات التي شهدتها الحرب أبرزت أهمية تكامل الأسلحة المختلفة في إدارة المعارك وتحقيق الأهداف العسكرية.

سلطان: انتصار أكتوبر لم يكن مصريا فقط وإنما شاركت فيه دول عربية

وأكد سلطان أن الدول العربية قدمت أشكالا مختلفة من الدعم خلال حرب أكتوبر، مشيرا إلى مشاركة القوات السورية على الجبهة الشمالية، ووصول طائرات ومساهمات عسكرية من دول عربية، إلى جانب استخدام سلاح النفط للضغط على الدول الداعمة لإسرائيل.

وأوضح أن هذا التعاون عكس أهمية التضامن العربي في مواجهة التحديات، مؤكدا أن استعادة الأرض لم تكن نتيجة المواجهة العسكرية وحدها، وإنما ارتبطت أيضا بالتخطيط السياسي والدبلوماسي الذي أعقب الحرب.

وتطرق سلطان إلى اتفاق السلام المصري الإسرائيلي، مشيرا إلى أن الرئيس الراحل أنور السادات اعتمد على دور الولايات المتحدة بوصفها طرفا ضامنا في الاتفاق، وليس مجرد وسيط، معتبرا أن امتلاك عناصر القوة كان عاملا مهما في الوصول إلى التسوية واستعادة الأرض.

ووجه سلطان رسالة إلى الأجيال الجديدة، أكد خلالها أن الاحتفال بذكرى أكتوبر لا ينبغي أن يقتصر على تكريم الأبطال، وإنما يجب أن يكون مناسبة لفهم دروس الحرب والاستفادة منها في بناء المستقبل.

وقال إن الحفاظ على مكتسبات أكتوبر يتطلب مواصلة العمل في مجالات العلم والاقتصاد وبناء القدرات، مشيرا إلى أن كل نجاح يحققه المصريون يمثل إضافة جديدة إلى قوة الدولة، وأن روح أكتوبر تظل حاضرة من خلال الإصرار على العمل والتطوير وتحمل المسؤولية.

واختتم حديثه بالتأكيد على أهمية نقل تاريخ الحرب إلى أبناء المصريين بالخارج، حتى يتعرفوا على تضحيات أبطال القوات المسلحة، ويدركوا أن انتصار أكتوبر لم يكن مجرد حدث عسكري، وإنما تجربة وطنية متكاملة تحمل دروسا في التخطيط والتضحية والتعاون والإرادة.

وقد شهد الاتحاد العام للمصريين بالخارج، برئاسة المهندس إسماعيل علي، لقاء خاصا بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر المجيدة، بمشاركة عدد من أبطال الحرب، لاستعادة ذكريات ملحمة العبور واستعراض البطولات والتضحيات التي صنعت هذا النصر التاريخي، وذلك بمشاركة أعضاء الاتحاد وأبناء الجاليات المصرية في مختلف دول العالم عبر منصة «زووم».

وأدارت اللقاء من العاصمة البريطانية لندن المهندسة مرفت خليل، رئيسة فرع الاتحاد العام للمصريين بالخارج في بريطانيا، بمشاركة اللواء أركان حرب البطل عبد الرحمن مرسي، والدكتور البطل محمد نور الدين، واللواء أركان حرب مهندس هشام سلطان، حيث استعرض أبطال أكتوبر جانبا من ذكرياتهم وشهاداتهم عن أيام الحرب، وما شهدته من مواقف بطولية جسدت شجاعة المقاتل المصري وإصراره على استعادة الأرض والدفاع عن الوطن.

وأكد المشاركون أهمية استعادة أحداث حرب أكتوبر 1973، ونقل تفاصيلها إلى الأجيال الجديدة من خلال شهادات مباشرة لأبطال عاصروا الحرب وشاركوا في أحداثها، بما يسهم في ترسيخ الوعي الوطني والتعريف بحجم التضحيات التي قدمها رجال القوات المسلحة لتحقيق النصر.

وتابع جميع أعضاء الاتحاد العام للمصريين في الخارج وأبناء الجاليات المصرية بمختلف دول العالم اللقاء عبر منصة «زووم»، بما أتاح للمصريين في الخارج المشاركة في إحياء ذكرى النصر والاستماع إلى شهادات أبطال الحرب، في إطار جهود الاتحاد لتعزيز ارتباط أبناء الجاليات المصرية بتاريخ وطنهم والحفاظ على الذاكرة الوطنية.