فرص جديدة في قلب التحولات العالمية.. مصر تعزز شراكاتها مع القوى الاقتصادية الصاعدة
في ظل عالم يشهد تحولات اقتصادية وجيوسياسية متسارعة، لم تعد قوة الاقتصاد تقاس فقط بحجم الإنتاج أو معدلات النمو، وإنما بمدى قدرة الدول على التعامل مع المتغيرات الدولية، وتنويع شراكاتها، وتأمين احتياجاتها من الأسواق والاستثمارات والطاقة، إلى جانب امتلاكها القدرة على جذب رؤوس الأموال ونقل التكنولوجيا وتعزيز موقعها داخل سلاسل الإمداد العالمية.
وفي هذا السياق، تتحرك مصر خلال السنوات الأخيرة نحو إعادة صياغة خريطة شراكاتها الاقتصادية، بما يتناسب مع التحولات التي فرضتها الأزمات الدولية واضطرابات حركة التجارة العالمية.
وتأتي التحركات المصرية الأخيرة لتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري مع كوريا الجنوبية في إطار هذا التوجه، حيث تسعى القاهرة إلى الاستفادة من الإمكانات الصناعية والتكنولوجية التي تمتلكها الشركات الكورية، بالتوازي مع تقديم مصر نفسها باعتبارها سوقًا واعدة ومركزًا إقليميًا للإنتاج والتصدير، مستفيدة من موقعها الجغرافي وشبكة الاتفاقيات التجارية والبنية الأساسية والمناطق الاقتصادية المتطورة.
ومن جانبه، أكدت الدكتورة وفاء علي، أستاذة الاقتصاد، أن التحركات المصرية لتعزيز الاقتصاد الوطني وتنمية الشراكات الاقتصادية الدولية تعكس إدراكًا لطبيعة التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، خاصة مع إعادة تشكيل مراكز الثروة والنفوذ الاقتصادي نتيجة الحروب والتوترات الجيوسياسية واضطراب حركة التجارة الدولية.
وقالت وفاء علي، إن الرئيس عبد الفتاح السيسي يدرك بصورة واضحة طبيعة المتغيرات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، ولذلك تتحرك الدولة المصرية باتجاه تعزيز الاقتصاد الوطني وتوسيع نطاق التعاون الدولي، بما يتيح الاستفادة من الفرص التي تفرضها التحولات الراهنة.
وأوضحت أن طرح الرئيس السيسي فرص التعاون الصناعي والاستثماري أمام نحو 23 شركة كورية يأتي في إطار جهود الدولة للترويج للاستثمار في مصر، وتوسيع قاعدة الشركاء الدوليين، وتنويع الأسواق، والاستفادة من الخبرات الأجنبية المتقدمة، خاصة في المجالات التي تمتلك فيها كوريا الجنوبية تجارب ناجحة وقدرات تنافسية كبيرة.
كوريا الجنوبية نموذج للتصنيع والتكنولوجيا
وأكدت أستاذة الاقتصاد أن زيارة الرئيس السيسي إلى كوريا الجنوبية تكتسب أهمية خاصة، في ضوء ما تمثله التجربة الكورية من نموذج متقدم في التصنيع والتكنولوجيا والابتكار، مشيرة إلى أن مصر تسعى إلى الاستفادة من هذه الخبرات ضمن توجهها نحو توطين الصناعة وتعزيز القدرة الإنتاجية المحلية.
وأضافت أن نقل الخبرات والتكنولوجيا أصبح أحد أهم أهداف الشراكات الاقتصادية الحديثة، موضحة أن جذب الاستثمارات الأجنبية لم يعد مرتبطًا فقط بحجم رؤوس الأموال التي تدخل السوق، وإنما بقدرة هذه الاستثمارات على خلق قيمة مضافة، وتوفير فرص عمل، وتطوير القدرات الإنتاجية، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصنعة محليًا.
وأشارت إلى أن التعاون مع الشركات الكورية يمكن أن يدعم توجه مصر نحو زيادة التصنيع المحلي والاندماج في سلاسل الإمداد العالمية، خاصة في ظل ما تتمتع به كوريا الجنوبية من خبرات واسعة في الصناعات التكنولوجية والهندسية والإلكترونية وغيرها من القطاعات ذات القيمة المضافة المرتفعة.
اضطراب التجارة يعزز أهمية الموقع المصري
ولفتت وفاء علي إلى أن الاضطرابات التي شهدتها حركة التجارة والملاحة الدولية خلال الفترة الأخيرة أعادت التأكيد على الأهمية الاستراتيجية لموقع مصر، خاصة في ظل امتلاكها قناة السويس ومناطق اقتصادية وموانئ وبنية تحتية تؤهلها للاستفادة من التحولات التي تشهدها حركة الاستثمار والتجارة عالميًا.
وأوضحت أن المتغيرات الحالية تدفع الشركات العالمية إلى إعادة النظر في مواقع الإنتاج وسلاسل الإمداد، والبحث عن مناطق أكثر قدرة على الوصول إلى الأسواق وتقليل مخاطر النقل والإمداد، وهو ما يمكن أن يمثل فرصة مهمة أمام مصر لتعزيز موقعها كمركز إقليمي للإنتاج والتصدير.
وأكدت أن الاستفادة من هذه الفرصة تتطلب استمرار تطوير البنية التحتية، وتحسين بيئة الاستثمار، وتوفير الخدمات اللوجستية، إلى جانب تعزيز القدرة على ربط المناطق الصناعية بالموانئ والأسواق الخارجية.
منطقة صناعية كورية متكاملة
وقالت خبيرة الاقتصاد إن دعوة الشركات الكورية لإنشاء منطقة صناعية كورية متكاملة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تمثل خطوة مهمة على طريق جذب الاستثمارات النوعية، موضحة أن العائد المتوقع لا يقتصر على تدفق رؤوس الأموال، وإنما يمتد إلى نقل الخبرات وتوطين الصناعة والاستفادة من التكنولوجيا المرتبطة بالمشروعات الجديدة.
وأضافت أن وجود تجمع صناعي متكامل للشركات الكورية يمكن أن يسهم في خلق منظومة إنتاجية مترابطة، بحيث تستفيد مصر من الخبرات الفنية والإدارية والتكنولوجية لهذه الشركات، إلى جانب زيادة فرص تدريب العمالة المصرية ورفع مستوى مهاراتها.
كما يمكن لمثل هذه المناطق أن تدعم زيادة المكون المحلي في المنتجات، وتعزيز فرص التصدير، وربط الشركات المصرية بسلاسل التوريد التابعة للشركات العالمية، وهو ما يحقق قيمة اقتصادية تتجاوز حجم الاستثمار المباشر.
تنويع الشركاء ضرورة اقتصادية
وأكدت وفاء علي أن الرئيس السيسي يحرص على فتح مساحات جديدة للتعاون مع القوى الاقتصادية الصاعدة، خاصة في دول شرق وجنوب آسيا، مشيرة إلى أن تنويع الشركاء والأسواق أصبح عنصرًا أساسيًا لتعزيز قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة التحولات والأزمات العالمية.
وأوضحت أن الاعتماد على عدد محدود من الأسواق أو الشركاء يمكن أن يزيد من تعرض الاقتصاد للصدمات الخارجية، بينما يتيح تنويع العلاقات الاقتصادية قدرًا أكبر من المرونة، ويفتح فرصًا جديدة أمام الصادرات والاستثمارات والتكنولوجيا.
وأضافت أن مصر تمتلك فرصة للاستفادة من موقعها الجغرافي وعلاقاتها الاقتصادية المتنوعة في بناء شبكة أوسع من الشراكات، بما يتيح لها التعامل مع التغيرات العالمية من موقع أكثر قوة ومرونة.
من التجارة إلى الشراكات الإنتاجية
وأشارت أستاذة الاقتصاد إلى أن الدولة المصرية تستهدف في المرحلة الحالية الانتقال من العلاقات الاقتصادية القائمة على التجارة البينية فقط إلى شراكات أكثر شمولًا تقوم على الاستثمار وإقامة المشروعات ونقل التكنولوجيا والتصنيع المشترك.
وأكدت أن هذا التحول يمثل أهمية كبيرة للاقتصاد المصري، لأنه يركز على زيادة القيمة المضافة داخل السوق المحلية بدلًا من الاكتفاء بتبادل السلع والخدمات.
وأضافت أن مصر تتمتع بمقومات تجعلها مؤهلة للقيام بهذا الدور، خاصة موقعها الذي يربط بين الأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية، إلى جانب ما شهدته البنية الأساسية من تطورات خلال السنوات الماضية.
وأوضحت أن الاستثمارات الأجنبية التي ترتبط بالإنتاج والتصدير يمكن أن تحقق تأثيرًا مضاعفًا على الاقتصاد، من خلال خلق فرص العمل، وزيادة الطلب على الخدمات المحلية، وتنشيط الصناعات المغذية، وتطوير مهارات العمالة، ورفع القدرة التنافسية للمنتجات المصرية.
الطاقة الجديدة محور جديد للشراكة
وفي ملف الطاقة، أكدت وفاء علي أن مصر تعمل على تهيئة البنية التحتية اللازمة لتعزيز دورها كمركز إقليمي للطاقة الجديدة والمتجددة، في ظل التحول العالمي المتسارع نحو مصادر الطاقة النظيفة.
وأوضحت أن تنويع مصادر الطاقة لم يعد قضية بيئية فقط، وإنما أصبح مرتبطًا بالأمن الاقتصادي والاستقرار الصناعي وقدرة الدول على جذب الاستثمارات.
وأضافت أن امتلاك مصر إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى جانب موقعها الاستراتيجي والبنية التحتية القائمة، يمكن أن يدعم توجهها نحو تطوير مشروعات الطاقة النظيفة وإنتاج الوقود الأخضر، بما يفتح مجالات جديدة للتعاون والاستثمار.
وأشارت إلى أن هذا المسار يمكن أن يعزز مكانة مصر اقتصاديًا على المستوى الإقليمي، ويجعلها طرفًا مهمًا في التحولات المرتبطة بمستقبل الطاقة، خاصة مع تزايد الطلب العالمي على مصادر الطاقة منخفضة الانبعاثات.