53 عامًا من النصر والفخر
أجراس الكنائس تحتفل بحكاية وطن "عاش في أبنائه وعاشوا من أجله"
في مشهد وطني يتجدد كل عام، دقت أجراس الكنائس في مختلف أنحاء مصر، اليوم الثلاثاء، في تمام الساعة الثانية وخمس دقائق ظهرًا، بالتزامن مع توقيت عبور القوات المسلحة المصرية، وبدء الضربة الجوية في حرب أكتوبر 1973، احتفاء بالذكرى الـ53 لنصر أكتوبر المجيد.
وفي هذه الذكرى المجيدة، توحدت أجراس الكنائس في توقيت واحد يعكس مدى ترابط الأقباط بهذا الوطن، ويعكس حضور الكنيسة المصرية وتفاعلها مع المناسبات الوطنية، ويحمل رسالة جامعة تؤكد أن نصر أكتوبر تظل مناسبة يشارك فيها المصريون جميعًا، ويستحضرون خلالها بطولات القوات المسلحة المصرية وتضحيات الشهداء.
وفي مصر، لم تكن الكنيسة يومًا مكانًا منفصلًا عن الشارع، ولا بعيدة عن أحداث المجتمع المصري، بل ظلت جزءًا من نسيجة، تشارك أبناء الوطن أفراحهم وأحزانهم وتحفظ في ذاكرتها محطات التاريخ التي شكلت وجدان المصريين.
"مصر ليست وطنًا نعيش فيه، بل وطن يعيش فينا".. كلمات لمثلث الرحمات قداسة البابا شنودة الثالث، ظلت حاضرة في الحديث عن معنى الانتماء إلى هذا الوطن، فمصر لا تسكن فقط في الأرض التي تمشى عليها، وإنما في الذاكرة والقلوب، وفي حكايات الذين دافعوا عنها يومًا وفي دعوات البيوت التي ظلت تنتظر عودة أبنائها من الجبهة.
واليوم حين تدق أجراس جميع الكنائس القبطية في ذكرى انتصارات أكتوبر، يبدو الصوت كأنه يوقظ فينا تلك الحكايات من جديد، حكايات الجنود الذين عبروا والشهداء الذين ضحوا، والأسر التي انتظرت ووطن اجتمع أبناؤه حوله في لحظة فارقة من تاريخه.

فلم تكن أجراس اليوم مجرد أصوات تملأ سمان المدن والقرى المصرية، وغنما تحية تتردد في ذكرى نصر غير صفحة من تاريخ مصر، ورسالة تروي حكاية وطن عاش في أبنائه وعاشوا هم من أجله.
ويذكر التاريخ المصري، العديد من المواقف المشرفة للكنيسة المصرية والتي تجلت خلال فترة حرب أكتوبر، حيث كان الجنود على الضفة الأخرى من قنا السويس، يحملون السلاح ويخوضون معركة العبور، بينما كان خلفهم مجتمع كامل يحاول أن يفعل ما يستطيع وبين هؤلاء كان رجال الكنيسة، بعضهم حمل الصلاة وبعضهم حمل الدواء، وبعضهم ذهب بنفسه إلى الجنود والجرحى، وبعضهم كان قد عرف الحياة العسكرية من قبل، قبل أن تقوده الأيام إلى طريق آخر، وهكذا ظلت ذاكرة أكتوبر، تحفظ العديد من المحطات وتروي حكايات لا تتحدث فقط عن المعركة نفسها، وإنما عن رجال بدأت قصتهم في الجيش، ثم أصبحوا جزءًا من التاريخ الكنيسة المصرية.
وتجلت موقف الكنيسة المصرية في هذه الحرب بصورة كبيرة، حيث قدمت المساعدات والمساهمات المجتمعية لخدمة الجنود، وكان من أبرز هذه المواقف زيارة قداسة البابا شنودة الثالث، الجنود في الجبهة وفي إحدى زياراته للجنود، تحد إليهم كواحد يعرف معنى أن يرتدي الإنسان الزي العسكرية، وقال لهم إن الدفاع عن البلاد شرف وواجب، وإنه يصلى دائمًا من أجل الوطن.

وبينما كانت تدور المعركة على الجبهة، كان البابا يقود من موقعة دورًا آخر خلفها، فشجع الكنائس المصرية والجمعيات القبطية على المشاركة في المجهود الحرب، وشكل لجانًا لجمع التبرعات، وتوفير المساعدات كما اهتم بدعم الجنود والجرحى، ولم يكتفي بالكلمات التشجيعية فحسب، فزار المصابين في المستشفيات العسكرية يوم 22 أكتوبر 1973 ووقف بينهم يصلي ويطمئن عليهم.
تعتبر فترة حرب أكتوبر، مرحلة فارقة في حياة هذا الوطن، ولم يظهر البابا شنودة باعتباره رجل كنيسة يقف بعيدًا عن المعركة، ولا باعتباره جنديًا إلى ثكنته القديمة، وإنما ظهر في صورة أخرى، كرجل مصري مر في شبابه على خدمة الجيش، ثم حمل مسؤولية الكنيسة وخدمتها، وحين احتاج الوطن إلى كل يد، حاول أن يجعل الكنيسة يدًا تمتد لخدمة الوطن.