بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

دبلوماسي: استقرار إثيوبيا مصلحة مصرية وتفككها يهدد أمن القرن الأفريقي

بوابة الوفد الإلكترونية

في وقت تشهد فيه منطقة القرن الأفريقي تحولات متسارعة تتداخل فيها الأزمات الداخلية مع الحسابات الإقليمية والدولية، تبرز إثيوبيا باعتبارها إحدى أكثر الدول تأثيرًا في معادلات الأمن والاستقرار بالمنطقة، في ظل ما تواجهه من تحديات داخلية تتعلق بالعلاقة بين الحكومة المركزية والأقاليم، إلى جانب تنامي الملفات المرتبطة بالبحر الأحمر والممرات البحرية والسيادة الوطنية لدول الجوار. 

وفي خضم هذه التطورات، تتزايد أهمية الموقف المصري الذي يركز على ضرورة الحفاظ على استقرار المنطقة، وتجنب أي تحركات من شأنها توسيع دائرة التوتر أو تهديد أمن القرن الأفريقي.

ومن جانبه علق السفير محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، على تطورات الأوضاع في إثيوبيا والعلاقات الإقليمية، مؤكدًا رفضه الزج باسم مصر في الأزمات الداخلية التي تشهدها أديس أبابا، ومشددًا على أن القاهرة ليست طرفًا في ما يجري داخل الأراضي الإثيوبية. كما أبدى حجازي انزعاجه من الإشارة إلى مصر في بيان صادر عن مفوضية الاتحاد الأفريقي بشأن الأزمة، معتبرًا أن ربط القاهرة بالتطورات الداخلية الإثيوبية لا يعكس حقيقة موقفها أو طبيعة تعاملها مع الأزمة.

رفض الزج باسم مصر في الأزمة الإثيوبية

وأكد السفير محمد حجازي أن الزج باسم مصر في الأزمة الإثيوبية أمر مرفوض، موضحًا أن القاهرة ليس لها دخل بالتطورات الداخلية التي تشهدها إثيوبيا، وأن التعامل المصري مع الأوضاع في المنطقة ينطلق من الحرص على استقرار دولها واحترام سيادتها.

وأشار إلى أن مصر تنظر إلى التطورات داخل إثيوبيا باعتبارها شأنًا داخليًا، لافتًا إلى أن الإشارة إلى القاهرة في هذا السياق، وفق ما ورد في تصريحات السفير، تثير تحفظات مصرية، خاصة في ظل عدم وجود ما يبرر تحميلها مسؤولية أزمات داخلية تتعلق بالعلاقة بين الحكومة المركزية والأقاليم الإثيوبية.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل حساسية العلاقات الإقليمية بمنطقة القرن الأفريقي، حيث تتشابك الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية، بما يجعل أي توتر داخلي في دولة محورية مثل إثيوبيا قابلًا للامتداد إلى محيطها الإقليمي.

المشهد الداخلي في إثيوبيا

وفي قراءته للمشهد الإثيوبي، أوضح حجازي أن الأوضاع في البلاد تتسم بسيطرة مركزية تؤدي، وفق رؤيته، إلى تهميش دور الأقاليم، بالتزامن مع وجود حالة من عدم الرضا الإقليمي تجاه الحكومة المركزية برئاسة آبي أحمد.

كما أشار إلى ملف اتفاق بريتوريا المرتبط بإنهاء الحرب في إقليم تيجراي، معتبرًا أن عدم احترام الاتفاق أو عدم تنفيذ بنوده بصورة كاملة يمثل أحد العوامل التي تزيد من تعقيد المشهد الداخلي الإثيوبي.

ويأتي ذلك في ظل تركيبة إثيوبيا السياسية والإثنية والإقليمية المعقدة، والتي تجعل العلاقة بين الحكومة المركزية والأقاليم عنصرًا أساسيًا في تحديد مستقبل الاستقرار الداخلي، خاصة أن أي توترات داخلية قد تكون لها انعكاسات على دول الجوار بحكم الموقع الجغرافي لإثيوبيا وثقلها السياسي والأمني في شرق أفريقيا.

استقرار إثيوبيا مصلحة مصرية

ورغم الخلافات السياسية بين القاهرة وأديس أبابا حول عدد من الملفات، شدد السفير محمد حجازي على أن من مصلحة مصر وجود إثيوبيا موحدة وقوية وقادرة على اتخاذ قراراتها، معتبرًا أن تفكك الدولة الإثيوبية لن يخدم المصالح المصرية.

وأوضح أن تفكك إثيوبيا أو اتساع نطاق الصراعات الداخلية بها يمكن أن يؤدي إلى نشوء أزمات وصراعات إقليمية جديدة، بما يهدد أمن منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ويفتح الباب أمام مزيد من عدم الاستقرار في واحدة من أكثر المناطق حساسية من الناحية الجيوسياسية.

وتتجاوز أهمية استقرار إثيوبيا حدودها الجغرافية، إذ ترتبط التطورات في المنطقة بمجموعة من الملفات الاستراتيجية بالنسبة لمصر، وعلى رأسها أمن البحر الأحمر، والاستقرار في السودان والصومال، إلى جانب قضية مياه النيل، التي تمثل أحد الملفات الرئيسية في العلاقات المصرية الإثيوبية.

وفيما يتعلق بتحركات إثيوبيا للحصول على منفذ بحري، انتقد حجازي السعي للحصول على منفذ بحري عسكري عبر إريتريا أو الصومال، معتبرًا أن مثل هذه التحركات يمكن أن تمثل تهديدًا لسيادة الدول الأخرى وتزيد من حالة عدم الاستقرار في المنطقة.

وأشار إلى أن إثيوبيا تمتلك بالفعل منافذ تجارية، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة الأهداف المرتبطة بالسعي إلى وجود عسكري أو أمني على السواحل، في ظل التنافس المتزايد على النفوذ في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

ويمثل البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة ساحة مهمة للتفاعلات الإقليمية والدولية، نظرًا لموقعه الاستراتيجي وارتباطه بحركة التجارة العالمية، وهو ما يجعل أي تحرك عسكري أو أمني جديد في المنطقة محل اهتمام إقليمي ودولي واسع.

القمة التشاورية ودعم الاستقرار الإقليمي

ولفت السفير محمد حجازي إلى أهمية القمة التشاورية التي تجمع مصر والسودان والصومال وإريتريا، باعتبارها إحدى الآليات التي يمكن من خلالها تعزيز التنسيق بين دول المنطقة بشأن الملفات المشتركة.

وأكد أن الاستقرار الإقليمي واحترام سيادة الدول يمثلان الهدف الأسمى لضمان أمن منطقة القرن الأفريقي، في ظل تعدد التحديات التي تواجهها، بدءًا من النزاعات الداخلية وصولًا إلى التنافس على النفوذ والموانئ والممرات البحرية.

وتأتي أهمية هذا التنسيق من طبيعة التحديات المتشابكة في المنطقة، حيث يصعب فصل أمن البحر الأحمر عن استقرار القرن الأفريقي، كما أن أي تطورات داخلية في إحدى دول المنطقة قد تنعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على دول الجوار.

مصر والقرن الأفريقي

وتعكس تصريحات السفير محمد حجازي رؤية تقوم على أن التعامل مع أزمات القرن الأفريقي لا ينبغي أن يقتصر على الحسابات الثنائية بين الدول، وإنما يجب أن يأخذ في الاعتبار طبيعة الترابط بين أمن دول المنطقة.

فاستقرار إثيوبيا، وفق هذا الطرح، لا يمثل فقط مصلحة إثيوبية داخلية، وإنما يرتبط باستقرار محيطها الإقليمي، بينما يمثل احترام سيادة الصومال وإريتريا والسودان عنصرًا أساسيًا لتجنب تحول التنافس الإقليمي إلى صراعات مفتوحة.

وفي المقابل، تظل مصر معنية بصورة مباشرة باستقرار حوض النيل والبحر الأحمر، وهو ما يفسر اهتمامها بالتطورات السياسية والأمنية في القرن الأفريقي، مع التأكيد على أن متابعة هذه الملفات لا تعني بالضرورة التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

ومع استمرار التحولات في منطقة القرن الأفريقي، تبدو الحاجة متزايدة إلى آليات للحوار والتنسيق الإقليمي، بما يضمن احتواء الخلافات قبل تحولها إلى أزمات أمنية واسعة. كما أن الحفاظ على وحدة الدول واستقرارها واحترام سيادتها يمثل عاملًا حاسمًا في منع تمدد الصراعات إلى المناطق المجاورة.

وفي هذا الإطار، تبرز الرسالة التي حملتها تصريحات السفير محمد حجازي، والتي تجمع بين التأكيد على عدم ارتباط مصر بالأزمات الداخلية الإثيوبية، وبين التشديد في الوقت ذاته على أن استقرار إثيوبيا ووحدة أراضيها يمثلان مصلحة إقليمية ومصرية، بالنظر إلى التداعيات المحتملة لأي اضطراب واسع على أمن القرن الأفريقي والبحر الأحمر وملفات مياه النيل.