بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

في ذكرى ميلاد الأنبا ميخائيل.. من عمارة الحجر إلى خدمة وتعمير حياة الأقباط

الأنبا ميخائيل أسقف
الأنبا ميخائيل أسقف حلوان والمعصره وتوابعها

من وسط تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، تفتح اليوم الجمعة 2 أكتوبر، صفحات سيرة ومسيرة عامرة لأب راعي هو الأنبا ميخائيل، أسقف حلوان والمعصرة وتوابعها، تطوي صفحة تلو الأخرى محطات تحمل الكثير من الأدوار الخدمية التي ستظل حاضرة في تاريخ آباء الكنيسة في مصر.

وبعض السير لا تروى باعتبارها مجموعة من التواريخ، لأن وراء كل تاريخ منها طريقًا كاملاً من الاختيارات والتحولات، وفي سيرة الأنبا ميخائيل تبدو الحكاية لافتة من بدايتها، فالرجل الذي بدأ حياته مهندًسا معماريًا يدرس كيف تقام المباني وتستقيم تفاصيلها، حمل معه مفهوم البناء إلى طريق أخر، أكتر اتساعًا وعمقًا، حتى صار البناء في حياته مرتبطًا بالإنسان والخدمة والكنيسة.

الأنبا ميخائيل… حكاية خدمة الإنسان والكنيسة

ويروي كتاب اليوم حكاية خدمة الإنسان والكنيسة، وليس كل الحكايات التي تبدأ من الهندسة تنتهي عند المباني، ولا كل من درس العمارة ظل طريقة محصورًا بين التصميمات والجدران، في حكاية أسقف حلوان، أخد البناء معنى أخر مع مرور السنوات بدأ من الهندسة المعمارية، ثم انتقل إلى الدير ومنها إلى الدراسة والكتاب المقدس والخدمة، حتى أصبح البناء في النهاية متعلقًا بالإنسان.

<strong>الأنبا ميخائيل أسقف حلوان والمعصره وتوابعها</strong>
الأنبا ميخائيل أسقف حلوان والمعصره وتوابعها

ومن ملوي بدأت الرحلة التي قادته من قاعات دراسة الهندسة إلى دير السيدة العذراء مريم بالمحرق، ومن مسؤولية مباني الدير إلى دراسة الكتاب المقدس والعلوم الإنسانية، ثم إلى الكهنوت، فالخدمة الاجتماعية والتعليمية، وصولًا إلى الأسقفية ورعاية إيبارشية حلوان والمعصرة وتوابعها.

وفي صفحة ميلاده، لا تقف الحكاية عند عام جديد يُضادف إلى عمر الأنبا ميخائيل، وإنما تعود إلى محطات صنعت ملامح خدمته، مهندسًا حمل خبرته إلى الدير، وراهبًا تعمق في الدراسة، وكاهنًا أقترب من الناس وباحثًا واستاذًا جعل الكتاب المقدس جزءًا أساسيًا من رسالته، ثم أسقفًا اتسعت أمامه مسؤولية الرعاية.

ولد في مثل هذا اليوم م.إرميا إسحق ثابت بمدينة ملوي في محافظة المنيا، طفل لم تكن تفاصيل مستقبله قد كتبت بعد، قبل أن تقوده السنوات إلى كلية الفنون الجميلة بجامعة المنيا، حيث درس الهندسة المعمارية وحصل على درجة البكالوريوس عام 2000م.

وكان طريق العمارة هو أول طريق مهني واضح في حياة الأنبا ميخائيل، لكن بعد عامين فقط كان هناك طريق آخر ينتظره، وفي  19 مارس 2002م، دخل دير السيدة العذراء مريم المحرق، لتبدأ مرحلة مختلفة تمامًا، ثم جاءت رهبنته في 11 يوليو  2003، واتخذ اسم الراهب القمص بولس المحرقي، ليترك خلفه عالمًا اعتاد فيه أن ينظر إلى مكان من زاوية التصميم والبناء، ويدخل إلى عالم جديد يصبح فيه الإنسان نفسه محور الخدمة.

<strong>الأنبا ميخائيل أسقف حلوان والمعصره وتوابعها</strong>
الأنبا ميخائيل أسقف حلوان والمعصره وتوابعها

أما عن صفحة الحياة الرهبانية، فلم تنقطع صلته بما درسه من قبل، فقد تولى مسؤولية مباني الدير، وكأن الهندسة التي بدأ بها رحلته لها مكانًا جديدًا داخل حياته الرهبانية، لكن المسار لم يتوقف عند حدود المسؤولية الهندسية، إذ بدأت الدراسة اللاهوتية والبحث العلمي  يأخذان مساحة أكبر من حياته.

محطات هامة في حياة الأنبا مخائيل

حصل على بكالوريوس الكلية الإكليريكية بدير المحرق بتقدير جيد جدًا، ثم واصل دراساته بالكلية الإكليريكية بالأنبا رويس، باحثًا في قسم العلوم الإنسانية، قبل أن يتجه بصوره أعمق إلى الدراسات الكتابية ويحصل على الدكتوراه في أحد موضوعاتها. 

وبين الدير والدراسة، أخذت ملامح الكاهن تتشكل بهدوء، حتى نال نعمة الكهنوت في نوفمبر 2011، ومن هنا خرجت خدمته من حدود المكان الذي عاش فيه إلى مساحات أوسع تضعه في مواجهة احتياجات الناس وتفاصيل حياتهم اليومية. لم تكن خدمته مجرد حضور داخل الكنيسة، فقد اقترب من ملفات اجتماعية وإنسانية متعددة، وفي يناير 2017 بدأ خدمته في أسقفية الخدمات العامة والاجتماعية، مسؤولًا عن برامج التدريب والاعاقة والدراسات الاجتماعية، ومعاونًا للأنبا يوليوس.

<strong>الأنبا ميخائيل أسقف حلوان والمعصره وتوابعها</strong>
الأنبا ميخائيل أسقف حلوان والمعصره وتوابعها

كانت محطة تكشف جانبًا آخر من شخصيته، فبعد سنوات من الدراسة والبحث، جاءت الخدمة لتضع المعرفة أمام الإنسان مباشرة، بما يحمله من احتياجات وأسئلة وأزمات.

محطة جديدة في مسيرة الأنبا ميخائيل

ثم جاءت محطة جديدة بدأت يوم 25 نوفمبر 2018، حيث رسمه قداسة البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، أسقفًا لينتقل إلى مرحلة جديدة من الخدمة، ولم يبتعد الأنبا ميخائيل عن العمل الرعوي، فبدأت خدمته الأسقفية في منطقة حدائق القبة والوايلي ومنشية الصدر وتوابعها، بعد صدور القرار البابوي رقم 24 سنة 2018، بتكليفة بخدمة ورعاية شؤون الأقباط، ويكون محل إقامته في كنيسة مارجرجس بحمامات القبة، وبدأ تنفيذ القرار في الأول من ديسمبر من العام ذاته. 

اتسعت خدمات الأنبا ميخائيل في ذلك الوقت، فظل باب التعليم مفتوحًا، وفي عام 2020 يروى كتاب سيرته العامر أنه تولى وكالة الكلية الإكليريكية بالأنبا رويس لمدة ثلاث سنوات خلفًا للأنبا مقار أسقف الشرقية، ثم واصل حضوره الأكاديمي رئيسًا لقسم الكتاب المقدس بالكلية الإكلريكية بالقاهرة، واستاذًا  للعهد الجديد.

وكحلقات متصلة، ارتبطب محطات هذه السيرة لأسقف حلوان، فلم تكن سنوات الأسقفية بعيدة عن سنوات الدراسة، فالكتاب المقدس الذي بحث فيه صار جزءًا من رسالته التعليمية والخدمة التي مارسها بين الناس أصبحت جزءًا من تكوينه الرعوي.

وفي مسار موازي، حمل مسؤولية داخل المجمع المقدس مقررًا للجنة الفرعية "للصحة النفسية ومكافحة الإدمان"، وفي ملف يضع الخدمة الكنسية أمام جانب شديد حساسية من احتياجات الإنسان. 

وفي حلوان بدأت حكاية جديدة 

بعدما ودعت الكنيسة القبطية الأنبا بسنتي، أسقف حلوان السابق، الذي كان رمزًا  مميزًا من رموزها، رحل بعد سنوات طويلة من المرض، وحزن أبناء هذه الإيبارشية على أسقفهم وأبيهم الراعي الذي احتل مكانة كبيرة في قلوبهم لسنوات، وتبع ذلك من تشكيل لجنة لإدارة الإيبارشية ولقاءات جمعت الأنبا يوليوس مع الآباء الكهنة، وانتهت المشاورات إلى تفويض قداسة البابا تواضروس الثاني في اختيار أسقف للإيبارشية، لتبدأ مرحلة جديدة في حياة الإيبارشية، وفي 10 مارس 2024، تم تجليسه أسقفًا على إيبارشية حلوان والمعصرة  وتوابعها.

فصل جديد في كتاب الأنبا ميخائيل

احتفلت الإيبارشية بتجليسه في 20 أبريل 2024، في مقر المطرانية كنيسة السيدة العذراء بحلوان، وشارك في الاحتفال 22 من أعضاء المجمع المقدس، إلى جانب كهنة الإيبارشية وعدد كبير من الآباء الكهنة والرهبان وأبناء الإيبارشية.

 كما حضر التجليس مندوبون عن قيادات محافظة القاهرة ومدينة حلوان ومايو والتبين، والقوات المسلحة، ورجال القضاء، والجامعات، وعن مديرية الأوقاف وعدد من نواب البرلمان، إلى جانب وفد من الكنائس الكاثوليكية والإنجيلية والروم الأرثوذكس، ووسط الألحان القبطية قاد المردات خورس الكلية الإكليريكية بقيادة المعلم إبراهيم عياد.

<strong>الأنبا ميخائيل أسقف حلوان والمعصره وتوابعها</strong>
الأنبا ميخائيل أسقف حلوان والمعصره وتوابعها

وكان من أبرز الآباء الذين حضروا الحفل: الأنبا ديمتريوس مطران ملوي وأنصنا والأشمونين، الأنبا دانيال مطران المعادي وسكرتير المجمع المقدس، الأنبا بيمن مطران نقادة وقوص، الأنبا مكسيموس مطران بنها وقويسنا، الأنبا رافائيل الأسقف العام لكنائس وسط القاهرة، الأنبا يوأنس مطران أسيوط، الأنبا باسيليوس أسقف ورئيس دير القديس الأنبا صموئيل المعترف بجبل القلمون، الأنبا غبريال أسقف بني سويف، الأنبا إسطفانوس أسقف ببا والفشن، الأنبا تيموثاوس أسقف الزقازيق ومنيا القمح، الأنبا مارتيروس الأسقف العام لكنائس قطاع شرقي السكة الحديد بالقاهرة، الأنبا إرميا الأسقف العام، الأنبا دوماديوس أسقف 6 أكتوبر وأوسيم، الأنبا يوحنا أسقف شمال الجيزة، الأنبا صموئيل أسقف طموه، الأنبا مقار أسقف الشرقية والعاشر من رمضان، الأنبا ماركوس أسقف دمياط وكفر الشيخ والبراري، الأنبا ساويرس أسقف ورئيس ديري القديس، والأنبا توماس بسوهاج والخطاطبة، الشهيد مار بقطر بالخطاطبة، والأنبا بيجول أسقف ورئيس دير المحرق بأسيوط، والأنبا ثاوفيلس أسقف منفلوط، والأنبا أغناطيوس الأسقف العام للمحلة الكبرى، بالإضافة إلى القمص سرجيوس سرجيوس وكيل عام البطريركية بالقاهرة.

التعليم.. محور تركيز الأنبا ميخائيل في خدمة الإنسان

كان المشهد مهيبًا، حمل معنى انتقال المسؤولية إلى مرحلة جديدة، لكن الأنبا ميخائيل اختار أن تكون كلمته التي ألقاها خلال حفل التجليس، مرتبطة بما ظل حاضرًا في مسيرته لسنوات وهو "التعليم"، فأعلن عن تدشين مشروع إحياء مدرسة حلوان اللاهوتية، ليعود مرة أخرى إلى مساحة يعرفها جيدًا، مساحة الدراسة والتكوين والكتاب المقدس.

وتبدو دائرة الرعاية والخدمة قد اكتملت، فالمهندس الذي بدأ حياته بدراسة كيفية بناء المكان، دخل الدير وتولى مسؤولية مبانيه، ثم درس اللاهوت والكتاب المقدس، وخدم الناس في ملفات اجتماعية وإنسانية، ودرس العهد الجديد، ثم انتقل إلى مسؤولية الأسقفية، وفي كل محطة ظل البناء حاضرًا لكن دلالته كانت تتغير، فتارة كان البناء حجرًا، وتارة معرفة، آخرى خدمة إنسانًا يحتاج إلى من يقترب منه. 

<strong>الأنبا ميخائيل أسقف حلوان والمعصره وتوابعها</strong>
الأنبا ميخائيل أسقف حلوان والمعصره وتوابعها

تبدو سيرة الأنبا ميخائيل، لمن يطالع صفحاتها، أكبر من مجرد تواريخ متتابعة، إنها رحلة بدأت من ملوي ومرت بالمحرق والكلية الإكلريكية وأسقفية الخدمات وحدائق القبة، قبل أن تصل إلى حلوان، حاملة معها سنوات من الدراسة والرهبنة والكهنوت والتعليم والرعاية.

سطور في صفحات تستحق أن تُروى

وربما لهذا تبدو حكايته مختلفة، لأن الطريق لم يأخذه بعيدًا عن بدايته الأولى، بل أعاد تعريفها، فبعدما بدا يتعلم كيف تُبنى الأشياء أمضى سنواته في تعلم كيف يبني النفوس، وكيف تصبح المعرفة خدمة، وكيف تتحول المسؤولية إلى رعاية.

وفي عام جديد من عمره، تستمر الحكاية من حيث وصلت، أسقفًا لإيبارشية حلوان وتوابعها، وحاملًا معه خبرات سنوات طويلة، ومشروعًا لإحياء مدرسة لاهوتية، ومسيرة لاتزال صفحاتها تُكتب.