الأمير عبدالعال: كبار السن في الإسلام.. كرامة لا يطويها العمر
في زحام الحياة، وبينما تتسارع الخطى نحو المستقبل، يبقى هناك من يستحق منا أن نبطئ قليلًا، وأن نصغي إلى حكاياته، وأن نمد إليه أيدينا لا شفقةً، بل وفاءً وتكريمًا.
إنهم المسنون؛ أولئك الذين حملوا في أعمارهم أعوامًا من العطاء، وفي ذاكرتهم فصولًا من تاريخ الأسرة والمجتمع، وفي وجوههم آثار السنين التي لم تمر عليهم عبثًا.
ومن هنا جاءت عناية الإسلام بالإنسان في كل مراحل عمره، فلم يجعل الكِبَر سببًا للتهميش، ولم ينظر إلى الشيخوخة باعتبارها مرحلة تنحسر فيها قيمة الإنسان، بل أحاط المسن بسياج من التكريم والرعاية والرحمة، وجعل الإحسان إليه خلقًا دينيًا، ووفاءً إنسانيًا، وقربةً إلى الله تعالى.
وحين نتحدث عن رعاية كبار السن، ينبغي ألا نحصر مفهوم الرعاية في الجانب الصحي أو المادي. فالإنسان، مهما تقدم به العمر، يظل محتاجًا إلى الكلمة الطيبة، وإلى الشعور بالأمان، وإلى الصحبة، وإلى أن يشعر بأنه ما زال حاضرًا في قلوب من حوله.
كم من مسن لا يحتاج أكثر من زيارة قصيرة، وكم من أب أو أم ينتظران اتصالًا هاتفيًا، لا لطلب شيء، وإنما لسماع صوت الابن، وكم من جدٍّ أو جدةٍ تضيء ملامحهما حين يجلس الأحفاد إلى جوارهما، فيستعيدان من خلالهم شيئًا من بهجة الأيام!
إن الرعاية الحقيقية تبدأ من احترام الإنسان، ثم تمتد إلى صحته واحتياجاته النفسية والاجتماعية والمادية، وهذا ينسجم مع المقصد الإسلامي العام في صيانة كرامة الإنسان والإحسان إليه.
ولا تقف رعاية المسنين عند حدود الأسرة وحدها؛ فالإسلام بنى مجتمعًا يقوم على التكافل والتراحم. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾.
ومن صور هذا التعاون أن يكون للمسن مكانه في المجتمع، وأن تتكامل جهود الأسرة والمؤسسات والمجتمع في توفير الحياة الكريمة له، خصوصًا لمن فقد السند الأسري أو أصبح عاجزًا عن تلبية بعض احتياجاته.
فالمجتمع الذي يحترم كبار السن لا يحفظ حاضرهم فقط، بل يحفظ مستقبله أيضًا؛ لأن الشباب الذين يرون آباءهم وأجدادهم محاطين بالكرامة والرعاية يدركون أن الشيخوخة ليست خوفًا ينبغي الهروب منه، وإنما مرحلة طبيعية من رحلة الإنسان.
ويأتي اليوم العالمي للمسنين في الأول من أكتوبر من كل عام، ليذكّر العالم بأهمية كبار السن وحقوقهم وقضاياهم، وليلفت الانتباه إلى التحديات التي قد تواجههم، وإلى ضرورة بناء مجتمعات تراعي احتياجاتهم وتحفظ كرامتهم.
وحين يحتفل العالم باليوم العالمي للمسنين، فإن الرسالة الأعمق التي يمكن أن نتعلمها هي أن كرامة الإنسان لا تتناقص بتقدم العمر، وأن المجتمعات تُقاس أيضًا بطريقة تعاملها مع من تقدمت بهم السنون.
وفي تعاليم الإسلام رسالة أسبق من المناسبات وأبقى من الأيام: أن نرحم الكبير، ونوقر الشيخ، ونبر الوالدين، ونحفظ للإنسان كرامته في كل مراحل عمره.
فلا تنتظروا يومًا عالميًا لتزوروا مسنًا، ولا مناسبة لتسألوا عن أب أو أم، ولا عيدًا لتقبّلوا يدًا أنهكها العمر.
أشعروهم أنهم لم يكونوا يومًا عبئًا على الحياة، بل كانوا جزءًا من بنائها، فالأيام تمضي، والأدوار تتبدل، وقد يأتي يوم نجلس فيه نحن في المكان ذاته، ننتظر من يطرق الباب، أو يرفع الهاتف، وعندها سندرك أن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه ليس المال ولا المناصب، وإنما أثر من الرحمة، وذكرى من الوفاء، وقلبٌ لم ينسَ من أفنوا أعمارهم في سبيله.
بقلم الدكتور الأمير عبد العال عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية